ابن الجوزي

272

بستان الواعظين ورياض السامعين

محمد النبي الرؤوف الرحيم أنه قد هداه إلى الصراط المستقيم ، وأعاذه من الشيطان الرجيم ، وحفظه الملك الرحمن من الشرك والكفران ، والعوج والبهتان ، فقال له الديان في محكم القرآن قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ الأنعام : 161 ] فهداه اللّه تبارك وتعالى إلى الحق المعلوم وعلمه ما لم يكن يعلم من دقائق العلوم ؛ فأدى رسالة ربه غير مقصر ولا مذموم ، ولا مفرط ولا ملوم ، فأخبرنا الحي القيوم ، عن النبي الصادق المرحوم ، أنه قد بلغ كتاب ربه المعلوم وقال له فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ [ الذاريات : 54 ] وقد أخبرنا الملك الجبار أنه أمر نبيه المختار بتبليغ الرسالة ليستنقذ المؤمنين من النار فقال تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ [ المائدة : 67 ] فأمره تعالى بالتبليغ وأخبر عنه أنه قد بلغ . وما حفظ الملك القهار لقلوب المؤمنين الأبرار ، فقوله تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ [ الحجر : 42 ] فصار المؤمن في عصمة اللّه تبارك وتعالى وحفظه ، لما دخل نور الهدى في قلبه . فهذا مثل ضربه اللّه العزيز الحكيم ، المنان المتفضل الكريم ، لنبيه الصادق الأمين ، ولكتابه النور المبين . ثم قال تعالى : وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [ النور : 35 ] فهو تعالى عالم بما كان وما يكون وما لم يكن ولا يكون ، أن لو كان كيف كان يكون . ثم إن اللّه تبارك وتعالى أثنى على المؤمنين المحافظين على أداء الصلوات الذاكرين للّه في المساجد في جميع الآناء والأوقات ، الخائفين من عقوبة رب الأرضين والسماوات ، فقال رب الأرباب وسيد السادات في محكم الكتاب بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها [ النور : 36 ] الآية . أي يذكر فيها جميع ما أنزل المولى من أسمائه الحسنى وصفاته العلى ، لا يذكر فيها زور ولا بهتان ، ولا غيبة ولا عصيان ، ولا نميمة على اللسان ، وإنما جعلها اللّه تعالى للسنة والقرآن ، وعبادة الملك الديان ، لا يذكر فيها لغو ولا تأثيم ، لأنها إنما جعلت لأداء فرض العزيز الحكيم . [ 428 ] المساجد لذكر اللّه روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا سمعتم الأصوات قد علت في المساجد في غير ذكر اللّه فلا تجالسوهم فليس للّه فيهم حاجة » . وروي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا علت الأصوات في المساجد في ذكر