ابن الجوزي
262
بستان الواعظين ورياض السامعين
فلما قدم الكوفة استقبله الفرذق فقال له الحسين : ما وراءك يا أبا فراس ؟ قال : أصدقك أم لا ؟ قال : الصدق أريد ، قال : أما القلوب فمعك ، وأما السيوف فمع بني أمية عليك . قال له الحسين : ما أراك إلّا صدقت إن الناس عبيد للمال ، فالدين نفق على ألسنتهم يحوطونه ما ردت به معائشهم ، فإذا تحولوا للإبتلاء قل الديانون . ثم التفتت إلى أصحابه وقال : على الخبير سقطنا . [ 414 ] آيات ظهرت لمقتل الحسين وقال الحسن : لم نر هذه الحمرة في السماء إلّا حين قتل الحسين ووجد على حائط قسطنطين : أترجو أمة قتلت حسينا * شفاعة جدّه يوم الحساب ويقال ناحت الجن على قتل الحسن سبعة أيام حتى سمعت من تحت السبع أرضين ، وأبكت الملائكة أجمعين . [ 415 ] حكاية غريبة وقال الحذاء بن رباح القاضي : رأيت رجلا مكفوفا قد شهد قتل الحسين وكان الناس يأتونه ويسألونه عن ذهاب بصره ؟ قال : فكان يقول : شهدت قتل الحسين ولكني لم أضرب بسيف ولم أرم بسهم ، فلما قتل الحسين رجعت إلى المنزل وصليت العشاء الأخيرة ونمت ، فأتاني آت في منامي فقال لي : أجب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقلت : ما لي وله ؟ فأخذني وجذبني جذبة شديدة وانطلق بي إليه ، فإذا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جالسا في المحراب مغتما حاسرا عن ذارعيه آخذا بخده وبين يديه نطع وملك قائم بين يديه ، وبين يدي الملك سيف من نار وكان لي تسعة من الأصحاب فقتل أصحابي التسعة كلما ضرب الملك أحدا التهبت نفسه نارا ، فكلما قام الملك صاروا أحياء فقتلهم مرة بعد أخرى حتى قتلهم سبع مرات ، فدنوت من النبي صلى اللّه عليه وسلم وحبوت إليه فقلت : السلام عليك يا رسول اللّه ، واللّه ما ضربت بسيف ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم ، فقال لي : صدقت ولكن كثرت السواد ، أدن مني فدنوت منه فإذا طشت مملوء دما من دماء الحسين ، فكحلني من ذلك الدم فانتبهت أعمى لا أبصر شيئا .