ابن الجوزي
258
بستان الواعظين ورياض السامعين
والنفقة فيه في غير اللّه متلوفة . فإذا كان هذا اليوم تخلف فيه النفقات ، فأولى أن تغفر فيه الخطيئات ، وتتضاعف فيه الحسنات وينجي اللّه فيه المؤمنين من العذاب والعقوبات ، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ، وتظهر فيه السرائر والخفيات . وأنشدوا : يا جامع المال يرجو أن يدوم له * كل ما استطعت وقدم للموازين ولا تكن كالذي قد قال إذ حضرت * وفاته ثلث مالي للمساكين روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم : سئل أي الصدقة أفضل ؟ فقال : « أن تتصدق وأنت صحيح حريص شحيح ، تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا ولفلان كذا » . [ 408 ] من خلف ثروة لبيت المال ذكر أن رجلا مات بالمدينة من أهل اليمن وخلّف مالا كثيرا فأخبر بخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « هل من وارث ؟ » فقالوا : لا يا رسول اللّه ، فقال صلى اللّه عليه وسلم : « من لا وارث له فماله لبيت مال المسلمين » فأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يحضر المال ، فجيء بالمال إلى المسجد فوضع حتى غاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الجانب وغاب الناس من الجانب الآخر من حلي وذهب وورق وثياب . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ارفعوا المال إلي بيت مال المسلمين » فرفع كما أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فالتفت عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنه في المسجد فوجد فرصة من ذهب فيها قيراط فقال : يا رسول اللّه هذه من ذلك المال ، فأخذها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ووضعها في كفه وجعل يقلبها في يده ثم قال صلى اللّه عليه وسلم : « لو تصدق بها في حياته حين كان صحيحا شحيحا يأمل العيش ويخشى الفقر كانت أحبّ إليه من هذا المال كله يعطى من بعده في سبيل اللّه » فاللّه اللّه عباد اللّه اسمعوا صواب المقال ، وبادروا إلى حسن الفعال ، ولا تغتروا بالعز والمال . فإن المال يذهب ، والدنيا تخرب ، ونفسك تموت ، والمرد غدا إلى الحي الدائم الباقي الذي لا يموت ، واعلم يا أخي أنك مرتهن بالذنوب ، وأنت محاسب مطلوب ، مسؤول بين يدي علّام الغيوب ، فاستعد للسؤال ، وتهيأ للجدال ، في يوم تشيب فيه الرؤوس ، وتضيق من فظاعة هولة النفوس ، ذلك يوم هائل عبوس . يوم تضع فيه الحوامل أحمالها ، وتزلزل الأرض زلزالها ، وتخرج