ابن الجوزي

234

بستان الواعظين ورياض السامعين

الصلاة السلام ، وأحب الصيام إلى اللّه تعالى صيام داود عليه السلام ، كان ينام من الليل نصفه ، ويقوم ثلثه وينام سدسه ، وكان يصوم يوما ويفطر يوما » . [ 373 ] الصيام باب العبادة روي عن كعب الأحبار رضي اللّه عنه أنه قال : ليس في العبادات أفضل من الصيام لأنه باب العبادة . وقد جعل اللّه تبارك وتعالى هذا الشهر العظيم كفارة للذنب وليس في الذنوب إلّا عظيم ، لأننا إنما نعصي بها الرب العظيم . وقد قالوا : لا تنظر إلى صغير ذنبك ولكن انظر من عصيت ! تاب اللّه علينا حتى لا نعصيه . فاللّه اللّه عباد اللّه غضّوا ابصاركم في هذا الشهر العظيم وفي غيره عن النظر إلى المحظورات ، واحبسوا ألسنتكم عن أخذ أعراض المسلمين والمسلمات ، وأكثروا فيه من الصدقة على أهل المسكنة من ذوي الحاجات ، وقوموا في لياليكم فيه بكثرة الصلوات ، واسكبوا من أعينكم واكف العبرات ، وتضرعوا إلى اللّه في إقالة العثرات . عساه يبدّل سيئاتكم بالحسنات . فإن قيل ما الحكمة في فرض شهر رمضان ؟ ففيه أقوال ، أحدها أن اللّه تعالى أمرنا أن نصوم فيه ونجوع لأن الجوع ملاك السلامة في باب الأديان والأبدان عند الأطباء والحكماء . وقيل ما ملأ ابن آدم وعاء شر من بطنه ، والحكمة ملك لا يسكن إلّا في بيت خال . [ 374 ] فضل الجوع روي عن يحيى بن معاذ رضي اللّه عنه أنه قال : من شبع من الطعام عجز عن القيام ، ومن عجز عن القيام افتضح بين الخدام ، وإذا امتلأت المعدة رقدت الأعضاء عن الطاعات ، وقعدت الجوارح عن العبادات . وأنشدوا : تجوّع فإن الجوع يورث أهله * عواقب خير عمّها الدهر دائم ولا تك ذا بطن رغيب وشهوة * فتصبح في الدنيا وقلبك هائم وروي عن ذي النون المصري رحمه اللّه تعالى عليه أنه قال : تجوّع بالنهار وقم بالأسحار تر عجبا من الملك الجبار . وروي عن يحيى بن معاذ رضي اللّه عنه أنه قال : لو كان الجوع يباع في