ابن الجوزي
222
بستان الواعظين ورياض السامعين
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 183 ] سماهم باسمه ورسمهم برسمه ، وشرفهم حين عرفهم فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ سهل عليكم بذلك موارد الخطاب . فلما أراد اللّه جل جلاله أن يكلفهم الصيام الشاق عليهم بدأ اللّه بأخص أسماء المؤمنين ، وأجل صفات العارفين ، وأعلا مقام المحبين ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ثم زاد بيانا فقال : أَيَّاماً ثم زاد بيانا فقال : مَعْدُوداتٍ ثم زاد بيانا فقال : شَهْرُ ثم بين أي شهر فقال : شَهْرُ رَمَضانَ ثم بين ورقق ويسر فقال : كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [ البقرة : 187 ] ثم بين تمامه فقال : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ فكأنه سبحانه قال : كتبت عليكم الصيام أياما في السنة ووعدتكم عليها المقام في الجنة ، كتبت عليكم الصيام شهرا ، ووعدتكم الثواب دهرا . كتب اللّه الصيام على عبيده وكتب الرحمة على نفسه ، كتب الصيام أياما معدودات ، وكتب لكم على نفسه الحصول في الدرجات ، كتب عليكم أن تصوموا شهرا وكتب لكم بالحسنة عشرا . روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من صام رمضان في إنصات وسكون وكف سمعه وبصره ولسانه ويده وجوارحه عن الحرام والكذب والغيبة والأذى اقترب من اللّه تعالى يوم القيامة حتى تمس ركبته ركبة إبراهيم الخليل ولم يكن بينه وبين العرش إلّا فرسخ أو ميل » شك عطاء بن يسار في هذا الحديث . وروي عنه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لو أذن اللّه عز وجل للسموات والأرض أن تتكلما لشهدتا لمن صام رمضان بالجنة » الإشارة في قوله تعالى : أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ [ البقرة : 184 ] كأنه سبحانه يقول : فريضتي عليكم معدودة ، وعطيتي لكم ( غير ) محدودة ، عبادتكم لي بارة ونعمتي عليكم بارة طاعتكم من الحين إلى الحين ، وثابي لكم أبد الآبدين ، صيامكم لي من العام إلى العام ، وإباحتي لكم من الجنة أحسن المقام . اعلموا عباد اللّه أن مولاكم جل جلاله حياكم بشهر الصيام ، وشرفكم بملة الإسلام ، وجعلكم من خير أمة أخرجت للأنام ، بمحمد عليه أفضل الصلاة والسلام . فلا تدنسوا شهركم بالإفك والزور ، وأطيعوا مولاكم الكريم الغفور ، تفوزوا في الجنان بالولدان والحور .