ابن الجوزي
210
بستان الواعظين ورياض السامعين
[ 336 ] الملك الزاهد حكي عن عباد المهلبي أنه قال : كان رجل من ملوك البصرة ترك الدنيا وتعبد ثم بعد ذلك مال إلى الدنيا وغرورها فبنى دارا وشيّدها وأمر بفرشها ففرشت الدار ونجدت ، وأمر أن يصنع طعام ودعا الناس إليه فجعلوا يدخلون ويأكلون ويشربون وينظرون إلى بنائه ويعجبون منه ثم يدعون له ويتفرقون عنه ، فمكث بذلك زمانا حتى فرغ من أمر الناس ثم أجلس نفرا من خاصة إخوانه فقال لهم : أترون سروري بداري هذه وقد حدثتني نفسي أن أتخذ لكل واحد من أولادي مثل هذه فأقيموا عندي أياما استمتع بحديثكم ، فأقاموا عنده أياما يأكلون ويشربون ويلهون ويلعبون وشاورهم كيف يريد أن يبني ، إذ سمعوا ذات ليلة هاتفا يقول بصوت جهير : يا أيها الرجل الناسي منيته * لا تأمنن فإن الموت مكتوب على الخلائق إن سروا وإن كرهوا * فالموت حتم لذي الآمال منصوب لا تبنين ديارا لست ساكنها * وراجع النسك كيما يغفر الحوب قال فخرج وخرج أصحابه وراعهم ما سمعوا ، ثم قال لأصحابه : هل تجدون ما أجد ؟ قالوا : وما تجد ؟ قال : أجد مسكة على فؤادي وما أراها إلّا علة الموت ، ثم أمر بالشراب فأهريق وأمر بالملاهي فأخرجت ثم قال : اللهم إني أشهدك وأشهد ملائكتك ومن حضر من عبادك أني تائب إليك من جميع ذنوبي ، نادم على ما فرطت في أيام مهلتي . ثم اشتد به الأمر فلم يزل يقول : الموت حتى خرجت روحه ، وتفرق أحبابه عنه وأصحابه . وأنشدوا : يا عجبا للناس لو أبصروا * وحاسبوا النفس وقد فكروا واعتبروا الدنيا إلى غيرها * فإنما الدنيا لهم معبر والموعد الموت وما بعده * حشر فذاك الموعد الأكبر عجبت للإنسان في فخره * وهو غدا في وحشة يقبر ما بال من أوله نطفة * وجيفة آخره يفخر ! ؟ أصبح لا يملك تعجيل ما * يرجو ولا تأخير ما يحذر وأصبح الأمر إلى ربّه * في كلّ ما يقضي وما يقدر