ابن الجوزي

208

بستان الواعظين ورياض السامعين

تحرك إن قدرت وقم طويلا * فسوف يطول نومك في التراب وحقق ما تقول فأنت عبد * تساءل ثم تطلب بالجواب وكفر ما عملت وكن مجدّا * وتب للّه تسعد بالمتاب عباد اللّه ليس لكم دواء من جميع أمراض الشهوات إلّا التوبة ، والندم على ما سلف وحسن الأوبة لعل اللّه يغفر لكم ما عقدتم عليه من الضمائر ، وما طويتم عليه خفيات السرائر ، وينور لكم في ظلمات الأجداث وضيق القبور ووحشة الحفائر . وأنشدوا : نعت نفسها الدنيا إلينا فأسمعت * ونادت ألا جدوا الرحيل وودعت وزمت مطايانا إلى برزخ البلى * وساقت بنا سوقا حثيثا فأسرعت سلام على أهل القبور أحبتي * لقد بليت أجسامهم وتقطعت فما موّت الأحياء إلا ليبعثوا * يقينا وتجزى كلّ نفس بما سعت عباد اللّه ما لكم تدعون إلى الرجوع إلى اللّه فلا تجيبون ، والموت والقبر فلا تذكرون ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون ، ذهب السامعون والواعظون . وبقي الجاهلون والغافلون . فلا سامع يعي ويسمع ، ولا واعظ يداوي وينفع . كل قد شغل بالأماني والغرور ، ونسي الرحيل إلى القبور . ووجد على قبر مكتوبا : لا تثق بالحياة من بعد قبري * كلّ حي مصيره كمصيري كنت في نعمة وفي خفض عيش * فمضى وانقضى كيوم قصير ثم أفردت في القبور وحيدا * وجفاني الصديق فوق القبور [ 334 ] حديث في منكر ونكير روي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام ليلة الإسراء : « كفى بالموت طامة » فقال جبريل عليه السلام : ما بعد الموت أطم منه وأعظم . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « وما ذاك يا جبريل ؟ » قال : الملكان الأزرقان الأسودان يطآن في شعورهما ، ويخرقان الأرض بأنيابهما ، بيد كل واحد منهما عمود لو ضرب به الجبال لقلعها من أصولها ، أعينهما كالبرق الخاطف ، وأصواتهما كالرعد القاصف ، يبتلي بهما كل مؤمن وكافر ، فيأتيانه في قبره فيروعانه ويقعدانه ويعرضان عليه عمله ، ويريانه مقعده من الجنة أو النار . فقال صلى اللّه عليه وسلم : « أما الكافر لهما أن