ابن الجوزي

203

بستان الواعظين ورياض السامعين

ويكون هو في قبره أو في رمسه مثبورا . وأنشدوا : أخلق الموت جدّتي * ومحا حسني البلى صرت بين النعيم في * منزل البعد والقلى وجفاني أحبتي * حين غيبت في الفلا يا أخي تفكر في تلك الأكفان . وتغير الروائح وصولة الديدان ، ونهش العقارب والحيات ، والكون تحت أطباق الثرى والظلمات . وانظروا إلى أحبابكم في بسط الأرماس ، كيف عدموا الأناس والحرّاس ، وانقطعت عنهم الحركات وسكنت منهم الأنفاس وأنشدوا : أتعمى عن الدنيا وأنت بصير * وتجهل ما فيها وأنت خبير وتصبح تبنيها كأنك خالد * لقد كان فيما قد بلوت نذير متى أبصرت عيناك أمر ولم يكن * يخبرنا أن البقاء يسير فدونك فاصنع كلما أنت صانع * فإن بيوت المتقين قبور [ 331 ] حكاية عن الحسن البصري يحكى عن الحسن البصري رضي اللّه عنه أنه نظر إلى جنازة قد وضعت في لحدها فقال : يا لها من موعظة بليغة لو صادفت قلوبا حية ، واللّه لقد فضح الموت الدنيا ولم يترك فيها لذي نسب فرحا . ثم أشار إلى امتداد القبور فبكى وقال : هؤلاء أهل محلة قد كفى من جلس إليهم شرهم ، وإن ترحم عبد عليهم وصل إليهم ما ترحم به . عباد اللّه اعلموا أن القبور منزلة بين الدنيا والآخرة فاعملوا لمثل هذا اليوم فإنما هم إخوانكم تقدموا وأنتم في الأثر ، أيها المتخلف من بعد أخيه أنت الميت من بعده غدا والباقي بعدك هو الميت في أثرك ، الأول فالأول حتى يتوفوا جميعا فكأنا بكم قد عمكم الموت واستويتم جميعا في سكراته ، وحللتم جميعا في القبور إلى يوم النشور . فاللّه اللّه تفكروا في طول البلاء في ظلمات بين أطباق الثرى . وأنشدوا : أخي ما بال قلبك ليس ينقى * كأنك لا تظن الموت حقّا أيا ابن الذين فنوا وبادوا * أما واللّه ما بادوا وتبقى وما أحد بزادك منك أحصى * وما أحد بزادك منك أشقى