ابن الجوزي
183
بستان الواعظين ورياض السامعين
أراني في انتقاص كلّ يوم * ولا يبقى على النقصان شيء طوى العصران ما نشراه مني * فأتلف جثتي نشر وطيّ فإن أك قد فنيت ومات بعضي * فإن الحرص باق فيّ حي وطير الموت حائمة لقتلي * مدلاة عليّ وفي عي روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من أكثر الفكرة في الموت هوّن اللّه عليه سكراته ، وجعله منه على حذر ، ومن غفل عن ذكره يوشك أن يأتيه فجأة على غير أهبة ولا استعداد » فاللّه اللّه قد انصرمت عنكم أعماركم وأنتم لا تشعرون ، فإن اتبعتم هموم الدنيا حتى تفرغ فإنها لا تفرغ أبدا ولو عشتم إلى أن تنقرض الدنيا . فتفرغ يا مسكين في اليسير من الأيام ، ودارك أمرك مع مولاك قبل نزول الحمام . [ 308 ] المبادرة بالتوبة روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « أيها الناس بادروا بالتوبة قبل أن تموتوا ، وبادروا بالأعمال الزاكية قبل أن تشغلوا ، وصلوا الذي بينكم وبينه بكثرة ذكركم إياه » . [ 309 ] السني والزنديق ذكر في بعض الحكايات أن رجلا من أهل السنة لقي رجلا زنديقا قد نحل جسمه وتغير لونه وأذابه الخوف ، وكان السني قويا سمينا ، فقال له الزنديق : يا هذا صف لي بعض ما تعتقده ؟ فقال : أعتقد الموت وغصصه ، وسكراته وأهواله . فلما سمع الزنديق مقالته صاح صيحة عظيمة ثم وقع على وجهه مغشيا عليه فمكث ما شاء اللّه ثم أفاق فقال له : زدني ، فقال : ثم من بعد الموت القبر وظلمته واللحد وضجعته ، ومنكرا ونكيرا قال : وما منكر ونكير ؟ فقال : ملكان أسودان أزرقان يطآن في شعورهما ، ويحفران الأرض بأنيابهما ، وبيد كل ملك منهما عمود من حديد جهنم لو ضرب به جبال الدنيا لقلعها من أصولها يسألان العبد في قبره ، قال : وثم ما بعد ذلك ؟ قال : هول البعث والنشور والحساب والميزان والصراط ، قال : وما الصراط ؟ قال : هو جسر منصوب على جهنم أرق من الشعرة وأحد من السيف وأحر من الجمر عليه حسك وكلاليب قد تعلق بكل كلوب عدد نجوم السماء من الزبانية ، لو أذن اللّه لواحد منهم أن يخرج إلى الدنيا لأحرق بحارها وجبالها وإنسها وجنها