ابن الجوزي

180

بستان الواعظين ورياض السامعين

فص خاتمي وتصدقي بثمنه فعسى اللّه يرحمني . فقلت لها : قد غفر اللّه له ورحمه ، ثم أخبرتها بالذي رأيت . فاللّه اللّه معشر المخلصين تضرعوا إلى ربكم قبل يوم موتكم فعساه أن يرحمكم ويتجاوز عن سيئاتكم . فذلك عليه يسير ، وهو على كل شيء قدير وأنشدوا : رأيت المرء تأكله الليالي * كأكل الأرض ساقطة الحديد ولا تجد المنية حين تأتي * على نفس ابن آدم من مزيد فلا تغفل - فديتك - عن منون * تدور رحاه بالهول الشديد فكأنكم بالأعمال قد انقضت ، وبالدنيا قد مضت ، فاستعدوا بذخائر الأعمال لما تلقوا من عظيم الأهوال ، وقد نودي فيكم بالتحويل ، وقد قرب منكم الرحيل . [ 304 ] شاب عاص غفرله حكي عن بعض الخائفين أنه قال : كان في جواري شاب وكان يتشاغل بالبطالة والجهالة ما رأيته صاحيا من السكر قط وعهدي به البارحة وقد رفع صوته على أمه في ساعتي هذه . فأخبرتني أنه أصبح ميتا من غير علة ولا مرض ، وسألتني في كفنه فزجرتها وقلت : الحمد للّه الذي أراحنا منه ، فمضت مدحورة فرق لها قلبي وقلت : إن الرحمة لا تضيق على المذنبين من أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم فبعثت من ساعتي في طلبها وعزيتها وصبرتها واشتريت لها كفنا وحضرت جنازته . فعرفني بعض أصحابنا أنه رآه في المنام وأنه سأله ما فعل اللّه به ؟ فقال : قدمت على اللّه تعالى وكنت قد دخلت قبل وفاتي الحمام ، فرأيت شخصا ميتا مقعدا ، فتوليت غسله ونظافته وحمله إلى بيته فقال : غفر اللّه لك ذنوبك كلها فصادفت دعوته إجابة فغفر اللّه تعالى لي وأنا في الجنة مع التعلق بالسنة غفر اللّه لنا أجمعين ، وأماتنا مسلمين ، وختم لنا بخواتم الصالحين ، إنه على ذلك قدير . وأنشدوا : لا تأسفنّ على الدنيا وحليها * فالموت لا شك يفنينا ويفنيها واعمل لدار يكن رضوان خازنها * والجار أحمد والرحمن عاليها أرض لها ذهب والمسك طينتها * والزعفران حشيش نابت فيها أنهارها لبن محض ومن عسل * والخمر يجري رحيقا في مجاريها والطير تجري على الأغصان عاكفة * تسبّح اللّه جهرا في مغانيها