ابن الجوزي
18
بستان الواعظين ورياض السامعين
عرف الشيطان فعصاه ، والثالثة من عرف الحق فاتبعه ، والرابعة من عرف الباطل فاجتنبه ، والخامسة من عرف الدنيا فأعرض عنها ، والسادسة من عرف الجنة فطلبها . فاللّه اللّه عباد اللّه اجتهدوا في طاعة الرحمن الرحيم . واجتنبوا كيد الشيطان الرجيم . [ 17 ] من رأى إبليس من الصحابة والصالحين روي عن أبي سعيد الخدري رضي اللّه عنه قال : رأيت إبليس اللعين في المنام منكوسا فهممت أن أقرعه بالعصا فقال لي : يا أبا سعيد أما علمت أني لا أخاف من العصا ولا من الأسلحة ، قال : فقلت له : يا ملعون فما الذي تخافه ؟ قال أخاف من شيئين : أحدهما استعاذة المستعيذين ، والثاني شعاع معرفة الصادقين . أعوذ باللّه ممن لا يشفق على نفسه ، أعوذ باللّه ممن لا يبكي على رمسه ، أعوذ باللّه ممن لا يقدم ليومه من أمسه . حكي عن الجنيد رحمة اللّه عليه أنه قال : رأيت إبليس في المنام عريانا يتلاعب بالناس فقلت : أما تستحي من الناس ؟ . فقال الملعون : باللّه عليك هؤلاء عندك ناس ؟ . لو كانوا من الناس ما تلاعبت بهم كما يتلاعب الصبيان بالكرة ، فقلت له : يا ملعون ومن الناس ؟ قال : ثلاثة نفر بمسجد الشيرازي - كذا سمى المسجد - أمرضوا كبدي ، وأنحلوا جسمي ، كلما هممت بهم أشاروا إلى اللّه تعالى فأكاد أن أحترق ، قال الجنيد : فانتبهت وقد بقي من الليل بقية فخرجت إلى المسجد الذي ذكر الملعون فدخلته فإذا بثلاثة نفر قعود رؤوسهم في مرقعاتهم فقال لي أحدهم : يا أبا القاسم أنت كلما قيل لك شيئا تقبله ! يا أخي اعلم أن من تعوّذ باللّه من الشيطان الرجيم فقد ثبت على الدين القويم ، وذلك أن اللّه سبحانه أخبر عن إبليس اللعين : لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [ الأعراف : 16 ] وذلك أنه بعثه اللّه تعالى قاطعا طريق الدين كما أن اللصوص قطّاع لطريق الدنيا على المسلمين ، فإبليس لعنه اللّه قاطع طريق العقبى ليصدّكم عن الحق والهدى ، فإذا استعذت منه هرب منك ولم يقدر على قطع طريق الدين . [ 18 ] وقاية اللّه من إبليس قال اللّه سبحانه : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ