ابن الجوزي

177

بستان الواعظين ورياض السامعين

عباد اللّه لا تغفلوا عن ذكر الموت ، وتفكروا فيه قبل الفوت ، فو اللّه ما بين أحدكم وبين طول الأسف ، والندامة على ما قد سلف ، إلّا أن تنزل به المنية ، غدوة أو عشية ، فعظ نفسك قبل حلول الرزية . وقيل في قول اللّه تعالى : وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ [ المنافقون : 10 ] قيل الأجل القريب عند كشف الغطاء ، يقول العبد عند الموت : يا ملك الموت أخرني يوما أعمل فيه صالحا لنفسي ، فيقول ملك الموت : فنيت الأيام فلا يوم ، فيقول : أخرني ساعة ، فيقول : فنيت الساعات فلا ساعة ، فيقول : اتركني أتكلم ، فيقول : فرغ كلامك فلا كلام . فتبلغ الروح الحلقوم فيؤخذ بكظمه فتقطع الأوقات والأعمال ، ويبقى عدد الأنفاس ليشهد فيها المعاينة عند كشف الغطاء فيحتد بصره ، فإذا كان في آخر نفس زهقت نفسه فيدركه ما سبقت له من شقاوة أو سعادة . [ 299 ] سؤال الرجوع للدنيا وقيل أول من يسأل الرجعة من لم يكن أدى زكاة ماله كقوله عز وجل : فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [ المنافقون : 10 ] فاللّه اللّه بادروا قبل حلول الأجل ، وانقطاع الأمل من صالح العمل ، وفراغ الأنفاس ، وورود الأرماس ولا ينفعك حبيب ولا حميم ، ولا ولد ولا والد رحيم ، قد أحاطت بك الخطوب ، وكثرت عليك الكروب وأخذ الوارث مالك ، ونكح العدو أو الصديق عيالك . وأنشدوا : أرى الأزواج تنكح إن هلكت * ويقسم وارثي ما قد تركت ولا يبقى الوداد بقلب خل * إذا انقطع الرجا مني ومت وينساني الصديق فما يبالي * أمر به ويعرض إن ذكرت ويشمت بي رجال من سفاه * وما قد كنت قط بهم شمت ولست بحاصل إلّا على ما * من الأعمال في الدنيا عملت فياذا العرش عفوا عن ذنوبي * وعن زللي وما كنت اجترمت وشفع في نبيك حين أدعى * غداة العرض إن تفعل نجوت روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه عرض عليه ما يصيب أمته من بعده فما رؤي ضاحكا مستبشرا حتى قبضه اللّه تعالى .