ابن الجوزي
165
بستان الواعظين ورياض السامعين
يا مسكين أنفقت مالك في بنيان الدور ، وتشييد القصور ، ونسيت الموت والتحول إلى ظلمة القبور ، ثاويا ، فيها إلى يوم النشور وأنشدوا : ألا للخراب بنى العامرونا * وللموت ما ولد الوالدونا وعما قليل يرى الآخرو * ن عجائب ما قد رأى الأولونا ويشقى أناس بما جمعوا * ويسعد بالقلة الزاهدونا ولا يرحمون إذا ما بكوا * ولا يرتجي الرحمة الظالمونا ويسأل قوم هناك الرجو * ع فلا يرجعون ولا يكرمونا اعلم يا مسكين أن المنية خير من الحياة الدنية ، يا ابن آدم الرقاد واللّه تحت التراب ، خير لمعصيتك لرب الأرباب . [ « 281 » ] عظة الموت روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كفى بالموت واعظا ، وكفى بالعبادة شغلا ، وكفى باليقين غناء » واعلموا عباد اللّه أنه لا أمة بعد أمتكم ، ولا نبي بعد نبيكم ، وإنما ينتظر بأولكم أن يلحق آخركم ، ثم يجمعون في عرصة القيامة ، لوقوع الحسرة والندامة ، عند ذلك لا ينفعكم مال ولا بنون ، ويحال بينكم وبين ما تشتهون ، ويحيق بكم ما كنتم به تستهزؤون . وأنشدوا : كل حي وإن بقي * فمن الموت يستقي فاعمل اليوم واجتهد * بادر اليوم يا شقي [ 282 ] أبو العتاهية الشاعر ذكر عن أبي العتاهية رحمه اللّه أنه دخل يوما على الرشيد فقال له الرشيد : أنشدني ، فقال : اجعل لي الأمان ، قال : أنت آمن فأنشأ وأنشد : لا تأمن الموت في طرف ولا نفس * وإن تسترت بالحجّاب والحرس واعلم بأن سهام الموت قاصدة * لكلّ مدرّع منا ومتّرس ما بال دينك ترضى أن تدنسه * وثوبك الدهر مغسول من الدنس
--> ( 281 ) حديث : « كفى بالموت واعظا . . . » . شعب الإيمان للبيهقي ، باب في الزهد وقصر الأمل ( 10556 ) من طريق ابن ياسر .