ابن الجوزي
153
بستان الواعظين ورياض السامعين
يخيل لي بكاء القوم حولي * وقولهم ألا أزف الرحيل وما يغني البكاء إذا تقضى * لدى عمري وإن كثر العويل فخذ للموت أهبته فأما * نجاة بعد أو هول طويل [ 263 ] عمرو بن العاص عند موته روي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما أنه قال لابنه عند الموت : ليتني ألقي رجلا عاقلا عند نزول الموت يخبرني بما يجد ، فقال له ابنه : قد نزل بك الموت فصف لي الذي تجد ؟ فقال لي : يا بني كأن جنبي في تحت وكأن غصن شوك يخرج من قدمي إلى هامتي وكأني أتنفس من سم إبرة . ثم مد يده وقال : اللهم لا قوي فأنتصر ، ولا بريء فأعتذر ، اللهم إني مقر مذنب مستغفر . ثم مات رضي اللّه عنه . وأنشدوا : للموت فاعمل بجد أيها الرجل * واعلم بأنك من دنياك مرتحل إلى متى أنت في لهو وفي لعب * تمسي وتصبح في اللذات مشتغل كأنني بك يا ذا الشيب في كرب * بين الأحبة قد أودى بك الأجل لما رأوك صريعا بينهم جزعوا * وودّعوك وقالوا قد مضى الرجل فاعمل لنفسك يا مسكين في مهل * ما دام ينفعك التذكار والعمل إن التقيّ جنان الخلد مسكنه * ينال حورا عليها التاج والحلل والمجرمين بنار لا خمود لها * في كلّ وقت من الأوقات تشتعل [ 264 ] سليمان وملك الموت روي أن ملك الموت كان صديقا لسليمان عليه السلام وكان يزوره أبدا ، فدخل عليه يوما وعنده رجل يكلمه سليمان ، فجعل ملك الموت ينظر إلى الرجل الذي مع سليمان نظرا منكرا فقال الرجل لسليمان بعد خروج ملك الموت : يا نبيّ اللّه من هذا الداخل عليك آنفا ؟ فقال : ملك الموت ، فقال له : لقد رأيته يحد النظر إلي ، ولكن لي إليك حاجة ، قال : وما هي ؟ قال : تأمر الريح أن تحملني إلى الهند . فأمر سليمان الريح فحملته إلى الهند ، ثم قال سليمان بعد أيام لملك الموت : وجدت عندي منذ أيام رجلا فنظرت إليه نظرا منكرا ؟ فقال ملك الموت : كنت