ابن الجوزي
151
بستان الواعظين ورياض السامعين
لكنت حقيقا يا ابن آدم بالبكا * على نائبات الدهر مع كل مسعد فاستعذ من ذنوبك يا مسكين ، قبل عرق الجبين ، وانتشار العرقين ، وقبل مد الشمال وقبض اليمين ، وتضعيف قوتك بالأنين ، ويكثر حواليك البكا والحنين ، وجرت دموعك لمفارقة الأهل والبنين ، ولا ينفعك ما جمعت من الأموال في الشهور والسنين ، ثم أنت في قبرك لعملك رهين ، إلى يوم عرضك على أسرع الحاسبين . قد تغير جسمك في الجنادل والتراب ، بعد تنعمك بدقائق الشباب . وأنشدوا : من لم يطأ منا التراب برجله * وطىء التراب بنضرة الخدّ لو كشفت للناس أغطية البلى * لم يعرفوا المولى من العبد من كان بينك في التراب وبينه * شبران كان بموضع البعد [ 260 ] أسماء العباد ذكر في بعض الأخبار أنّ للّه سبحانه وتعالى شجرة فرعها تحت العرش مكتوب على كل ورقة من أوراقها اسم عبد من عبيده ، فإذا جاء أجل العبد سقطت تلك الورقة التي فيها اسمه في حجر ملك الموت فأخذ روحه في الوقت . وأنشدوا : إني لعبت وحادي الموت في طلبي * وإن في الموت شغل لي عن اللعب لو شمرت مهجتي فيما خلقت له * ما اشتد حرصي على الدنيا ولا كلبي سبحان ربي فلا شيء يعادله * إنّ الحريص على الدنيا لفي تعب لا تغترر بديار لا مقام بها * واقصد لدارك إن الموت في الطلب روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « ما من يوم إلّا وملكان يناديان ، يا أهل الدنيا ولدتم للموت ، وتبنون للخراب ، وأنتم محاسبون ومعذبون عند ربكم » . وأنشدوا : عجبت لجازع باك مصاب * بأهل أو حميم ذي اكتئاب شقيق الجيب داعي الويل جهلا * كأن الموت كالشئ العجاب وسوّى اللّه فيه الخلق حتى * نبي اللّه فيه لم يحابي له ملك ينادي كلّ يوم * لدوا للموت وابنوا للخراب لمن نبني ونحن إلى تراب * نعود كما خلقنا من تراب