ابن الجوزي

147

بستان الواعظين ورياض السامعين

[ 253 ] طعم الموت فقال : أواه ، وجدته واللّه شديدا ، والذي لا إله غيره هو أشد من الطبخ في القدور ، والقطع بالمناشير ، أقبل ملك الموت نحوي بكلوب من حديد فأدخله في كلّ عضو مني ثم استلّ الروح من كل عضو حتى جعله في القلب ، ثم طعن في القلب طعنة بحربته المسمومة بسم الموت فلو أني طبخت في القدور سبعين مرة لكان أهون عليّ . فقالوا : يا إبراهيم لقد هوّن اللّه عليك الموت فإذا كان هذا حال الأنبياء فما يصنع بالمخطئين ! ! كفى بالموت طامة . وإذا بجبريل صلى اللّه عليه وسلم عندهم يسمعهم فقال لهم : يا أرواح الطيبين ما بعد الموت أشد وأطم وأعظم من الموت . وأنشدوا : وما الناس إلّا هالك وابن هالك * وذو نسب في الهالكين عريق إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت * له عن عدوّ في ثياب صديق [ 254 ] داود والذرة ذكر في بضع الأخبار أن داود عليه الصلاة والسلام كان في محرابه فإذا بدودة كالذرة ، فقال داود في نفسه : ما يعبأ اللّه بهذه الدودة فأنطقها سبحانه وقالت : واللّه يا داود إني أعبد اللّه سبحانه وتعالى وأخافه وأسأله أن يهون علي الموت . وأنشدوا : يحب الفتى طول البقاء وإنه * على ثقة أن البقاء فناء زيادته في الجسم نقص حياته * وليس على نقص الحياة نماء إذا ما طوى يوما طوى اليوم بعضه * ويطويه من بعد الصباح مساء جديدان لا يبقى الجميع عليهما * ولا لهما بعد الجميع بقاء ذكر في بعض الأخبار أن اللّه سبحانه وتعالى قال لإبراهيم صلى اللّه عليه وسلم لما مات : يا خليلي مت ؟ قال : يا إلهي مت ! قالها ورددها عليه ثلاثا قال : يا خليلي كيف وجدت طعم الموت ؟ قال : كسفود محميّ جعل في صوف رطب ثم جذب . قال : أما أنت فقد هوّنا عليك الموت . وأنشدوا : أرى المرء يبكي للذي مات قبله * وموت الذي يبكي عليه قريب وما الموت إلّا في كتاب مؤجّل * إلى ساعة يدعى له فيجيب