ابن الجوزي

116

بستان الواعظين ورياض السامعين

8 مجلس في قوله تبارك وتعالى ( وَوُضِعَ الْكِتابُ ) الآية [ 194 ] [ يا أهل الذنوب مثلي ، يا أهل العيوب . . . ] يا أهل الذنوب مثلي ، يا أهل العيوب مثلي ، يا من يعصي ولا يتوب ، يا من ألغي والمحال له صحوب ، يا من ضيع غاية المنى والمرغوب ، يا من سود كتابه بمعصية علام الغيوب . اعلموا عصمنا اللّه وإياكم أن للعباد غدا صحائف يقرؤون فيها الحسنات والقبائح ، فمن كتب له حافظاه خيرا في الدار الفانية فهو خير له في الدار الباقية ، ومن كان خائفا في الدنيا من العذاب ، متحفظا مما يثبت عليه في الكتاب ، متجنبا لمعصية رب الأرباب ، وفّقه اللّه مولاه للحق والصواب ، ويسر عليه برحمته الحساب ، ومحيت أوزاره من الكتاب ، ورضي عنه الملك الوهاب ، وأمر به إلى الجنة وحسن المآب . ومن علم أن عمله يثبت عليه في الديوان ، وهو يقرؤه لا محالة بين يدي الرحمن ، فكيف يألف العصيان ، وكيف يتحرك منه اللسان ، بالزور والبهتان ، ومخالفة كتاب الملك الديان . [ 195 ] الفرق بين الحسنة والسيئة ذكر في بعض الحكم أن رجلا كان يسوق دابته فعثرت فقال الرجل : تعست الدابة - يعني عثرت - فقال ملك اليمين لملك الشمال : ليست بحسنة فاكتبها ، فأوحى اللّه تعالى لملك الشمال ما ترك صاحب اليمين فاكتبه أنت ، فكتب صاحب الشمال قول الرجل تعست الدابة . وأعظم من هذا أنه ما من عبد ولا أمة يتنفس نفسا إلّا أثبت عليه في الكتاب ، فإن خرج النفس في طاعة اللّه أثبته صاحب اليمين ، وإن خرج النفس في غير طاعة اللّه تعالى أثبته صاحب الشمال حتى يحكم اللّه تبارك وتعالى يوم الحساب فيه بحكمه ، فمن علم هذا يقينا فلا يحتاج أن تمر عليه ساعة من ساعاته ، ولا وقت من أوقاته ، ولا لحظة من لحظاته إلّا في ذكر اللّه وفي الفكرة في عظمة اللّه .