ابن الجوزي

113

بستان الواعظين ورياض السامعين

فلا يقدر أن يتناوله بيمينه لأن يمينه مخلوعة من منكبه ، فيتناول كتابه بشماله فيقال له : فض خاتم الكتاب فيفضه ويقال له : أنشر كتابك اقرأ ، فينشر الصحيفة وهي سوداء فيبدأ بباطن الكتاب فتستقبله حسناته فيقرؤها ويفرح ويظن أنه سينجو من عذاب اللّه تبارك وتعالى حتى إذا بلغ آخر الصحيفة وجد فيها : هذه حسناتك قد ردت عليك لأنك لم ترد بها وجه اللّه تعالى والدار الآخرة ، وذلك قوله تعالى : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ [ هود : 15 ] أي لا ينقصون ، تعجل لهم في الدنيا أجور أعمالهم ولا يثابون في الآخرة بشيء من أعمالهم ، ولا يتجاوز عنهم في شيء من أعمالهم السيئة حتى يعذبهم اللّه تعالى عليها ، وأعمالهم الحسنة أحبطها اللّه عز وجل بالكفر ، والأعمال الصالحة التي يراد بها وجه اللّه تبارك وتعالى يجازي اللّه تعالى عز وجل أصحابها بالثواب الباقي وهو نعيم الجنة والنظر إلى وجه اللّه الكريم ، فوجه اللّه باق ونعيم الجنة باق ، لأن اللّه تعالى خلق الجنة ثوابا لأهل الأعمال الصالحة التي يراد بها وجه اللّه تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] وكل عمل يراد به وجه اللّه لا يهلك ، يبقى ثوابه لصاحبه وثوابه الجنة ، فإن اللّه تبارك وتعالى يثيب على العمل الباقي بالنعيم الدائم الباقي ، ويثيب على العمل الفاني ، وهو ما يعمل للدنيا وزينتها بالعرض الفاني وهو حطام الدنيا ، والمؤمن لا يرضى اللّه عز وجل أن يثيبه على عمله الصالح بعرض الدنيا وإن وسع عليه في الدنيا فإنما يعطيه ذلك زيادة ومعونة يستعين بها على طاعته ، وأجر عمله أدخره له ليوم فقره إذا احتاج إليه . ثم يقال للأسود بن عبد الأسد : إقلب كتابك فاقرأ فيقلب ظاهره فتستقبله سيئاته مثل الجبال الرواسي وهي سود بخط أسود ، لأنها محبوطة بالكفر غير مقبولة ، فأول سيئة يقرؤها يسودّ وجهه ويسمج لونه كلما قرأ سيئة ازداد سماجة وقبحا ، فإذا بلغ آخر الصحيفة وجد فيها هذه سيئاتك قد أضعفت ، إني قد أضعف عليك العذاب بعملك السيئات . [ 192 ] صفة العذاب للكافر فيرجع وجهه أشدّ سوادا من القار - وهو الزفت - ويعظّم جسده للنار حتى يكون ما بين منكبيه مسيرة شهر ، وغلظ كل فخذ من فخذيه مسيرة ثلاثة أيام ، وما بين شفتيه العليا والسفلى أربعون ذراعا وقد خرجت أنيابه وأضراسه من بين شفتيه