ابن الجوزي
109
بستان الواعظين ورياض السامعين
أمة إلّا وله كتاب يقرؤه يوم العرض والحساب ، وإنما مثل الناس عند قراءتهم الكتاب ، كمثل الزارع إن زرع طيبا رفع طيبا ، وإن زرع خبيثا رفع خبيثا . يا أخي فكأنك أنت كتبته بأقوالك ، وملأته بأفعالك ، وسوّدته بالقبائح من أعمالك . وأنشدوا : كأني بنفسي في القيامة واقف * وقد فاض دمعي حين أعطى كتابيا لعلمي بأفعالي وسوء مناقبي * وأنّ كتابي سوف يبدي المساويا فيا أهل الذنوب مثلي اعلموا أن الأعمال قد أثبتت عليكم في الديوان ، من الإحسان والعصيان ، والزيادة والنقصان ، والنفاق والإيمان ، وأنت غافل في سكرة الغرور ، وكتابك مملوء بالويل والثبور ، فبادروا إلى الصحائف وأمحوا ما فيها من القبائح ، ومحّصوا ما قد ثبت عليكم من الفضائح ، وذلك باكتساب الحسنات ، كما قال رب الأرضين والسماوات : إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [ هود : 114 ] . [ 185 ] أول الناس حسابا ذكر في بعض الأخبار أن أول ما يحاسب اللّه من الأمم أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم فإذا اجتمع الأولون والآخرون في أرض القيامة وقفت أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، فأول من يدعى منهم إلى الحساب رجل من قريش من بني مخزوم يقال له عبد اللّه بن عبد الأسد ، وله أخ يقال له الأسود بن عبد الأسد وفيهما نزلت هاتان الآيتان : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ [ الحاقة : 15 ] إلى قوله : فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ [ الحاقة : 24 ] نزلت هذه الآية في عبد اللّه بن عبد الأسد : وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ [ الحاقة : 25 ] وهو الأسود بن عبد الأسد ، فأما عبد اللّه وهو المؤمن فيدخل من وراء الحجب فيوقف بين يدي اللّه عز وجل ، فترعد فرائصه ، وتنفك أوصاله ، وتذهل نفسه من شدة الخوف من اللّه تعالى ، فبينما هو على أشد الأحوال من الخوف بين يدي الجبار جل جلاله إذ يأتيه ملك من عند اللّه تعالى وبيده صحيفة بيضاء مختومة بخاتم الخلد ، فيقول له الملك : [ 186 ] كتاب الحسنات هذا كتابك فيتناول الكتاب بيمينه ، وكل من كان من أهل الشقاوة إذا أوتي كتابه يروم أن يمد اليمين لأخذه فلا يقدر لأنه يجد يمينه كأنما علقت فيها جبال