ابن الجوزي

103

بستان الواعظين ورياض السامعين

بلا خوف ولا حزن ، واللّه تعالى أعلم . وأنشدوا : عنّي إليك فما اللذات من شغلي * ولا سبيل الصبا واللهو من سبلي حال التقى دون ما قد كنت تعرفه * فلست منه على زيغ ولا زلل في الحشر لي شغل عن كل مشتغل * بلذة وعن الألحاظ والمقل هذا إطار الكرى عن مقلتي وزوى * عني المنى وطوى المبسوط من أملي كم ليلة بت فيها ساهرا أرقا * أخشى العقاب وأخشى سرعة الأجل قال اللّه تعالى : يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ [ آل عمران : 30 ] رؤوف واللّه بالمؤمنين ، ذو نقمة على الظالمين ، رؤوف بأهل الإحسان ، وذو انتقام من أهل العصيان ، رؤوف بأهل السداد ، وذو انتقام من أهل العناد ، يا مغرور تفكر في هذه الآية فلك فيها من التخويف غاية ، ومن الزجر والتقريع نهاية ، فازجر نفسك عن هواها ، عساك تبلغها يوم العرض مناها . [ 175 ] حكاية عن ذي النون المصري حكي عن ذي النون المصري بن إبراهيم الأخميمي رحمة اللّه تعالى عليه أنه قال : خرجت مرة من المرات إلى ناحية الأردن من أرض الشام ؛ فلما علوت الوادي فإذا أنا بسواد قد أقبل وهو يقول : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزمر : 47 ] فلما قرب مني السواد إذا هو شخص ، فتأملته فإذا هو امرأة عليها جبة صوف وخمار من صوف ، وبيدها ركوة وبيدها الأخرى عكاز ، فقالت لي غير فازعة مني : من أنت ؟ فقلت لها : رجل غريب ، فقالت : يا هذا وهل يوجد مع اللّه غربة وهو مؤنس الغرباء ، ومعين الضعفاء ، فاجعله أنيسك إذا استوحشت ، وهاديك إذا ضللت ، وصاحبك إذا احتجت . قال ذو النون : فبكيت من كلامها فقالت : مم بكاؤك ؟ قلت لها : وقع دواؤك على دائي وأنا أرجو أن يكون سببا لشفائي ، قالت : فإن كنت صادقا في مقالتك فلم بكيت ؟ قلت لها : رحمك اللّه والصادق لا يبكي ! ! قالت : لا ، قلت لها : لم لا يبكي الصادق ؟ قالت : لأن البكاء راحة القلب وملجأ يلجأ إليه ، وما كتم القلب أحر من الزفير والشهيق وذلك ضعيف عند أوليائه . قال ذو النون : فبقيت واللّه متعجبا من قولها فقالت لي : مالك ؟ قلت : أنا واللّه متعجب من قولك ، قالت : وهل نسيت القرحة التي ذكرتها ؟ قال