ابن الجوزي
101
بستان الواعظين ورياض السامعين
فانظر لعقلك من بيانك واعتبر * إتقان صنعته فثمّ الشان وجزا محاسن فعلهم في حشرهم * عند الإله وعنده الرضوان هذا لعمري ظاهر لا يختفي * نطق الرسول وبيّن الفرقان [ 171 ] حكم قدسية ذكر في بعض الحكم التي أنزلت على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، عجبا لمن لا يرحم نفسه كيف يرحم ، وعجبا لمن يدوم على المعصية كيف يرجو حسن المآب ، وعجبا لمن يعمل أعمال النيران وهو يطلب نعيم الجنان ؟ كأنك يا أخي قد قربت من العرض والحساب ، ووقفت بين يدي الملك الوهاب ، فيأمر بك إلى الجنة وحسن المآب ، أو إلى النار وأليم العذاب تفكر في هذا كله يا مغرور لعل القسوة تنجلي من قلبك ، والوقر أن يزول عن سمعك ، والغطاء أن يرتفع عن بصر قلبك ، فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور . فانظر يا أخي بنور فكرتك ، وأطلق الموعظة على بحر عبرتك ، فلعل العين أن تدمع ، ولعل القلب أن يرق ويخشع ، فإذا جرت الدموع وخشعت القلوب محيت الذنوب ، وبلغت المنى والمرغوب ، ويسّر حسابك علّام الغيوب . وأنشدوا : تذكري المكث في التراب * حتى أنادي إلى الحساب هون كل البلاء عندي * وهكذا الفقد للشباب فليت شعري وكم مقامي * تحت الثرى أو متى أيابي لو كان لي عقل ما هناني * نومي ولا ساغ لي شرابي ولا ضحكت ولست أدري * مالي لدى اللّه من حساب [ 172 ] النداء بأسماء الخلائق ذكر في بعض الأخبار أن الخلائق إذا وقفوا في أرض القيامة فيقف كل عبد وأمة إذ نادى المنادي باسمك يا مغرور على رؤوس الأولين والآخرين أين فلان بن فلان ، أو أين فلانة بنت فلان ، هلم إلى الحساب بين يدي رب العالمين ، فاستقر في سمعك يا مسكين إنك أنت المنادى من جميع الخلق ، فقمت على قدميك قد تغير من الفزع لونك ، وانخلع من الجزع قلبك ، واضطربت من الهلع مفاصلك ، وقد سمع من كان حولك حسيس قلبك بالخفقان ، وأوصالك قد اشتدت في