محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

6

بدائع السلك في طبائع الملك

حدث ، حين قاد هذا التدخل ، الأمة العربية الفقيرة من الجزيرة القاحلة ، إلى حيث ساد العرب الزمان والمكان ، ثم تحكمت فيهم السنن الاجتماعية ، فاخذوا ينحسرون شيئا فشيئا ، ويتقلصون رويدا رويدا ، حتى عادوا إلى « القفر » ثانية . وأصبحوا ملكا لكل مكان ولكل زمان ، ولم تكن هذه ابدا غاية ابن الأزرق . انه بدأ كما بدأ ، ابن خلدون ، من نفس المنطلق ، يفسر الظواهر الاجتماعية ، ويحاول تحليل العوارض الذاتية ، ويطبق نفس المنهج الاستقرائي الأصولي الذي طبقه ابن خلدون ، ولكنه لم يتوقف عند التفسير المادي للظواهر كما هو ، ان التاريخ لا يتوقف ، والدورة الحضارية لا تنتهي ، بل يعود الزمان ، ويمتلئ المكان ، إذا ما صلح الراعي والرعية ، إذا لم يحدث الصراع بين الحاكم والمحكوم ، ولهذا لم يوافق ابن الأزرق على نظرية ابن خلدون في أطوار الدولة ، ان الدولة تعيش ابدا إذا تحققت العدالة ، بين الحاكم والمحكوم ، إذا لم يحدث نزاع بين الحاكم والمحكوم . ولهذا يتكلم عن الظلم والاحتجاب ، ويتكلم عن فساد الجباية والاحتكار ، ويتكلم عن مسؤولية الحاكم تجاه رعيته وتجاه جنده . انه هنا يلجأ إلى الأئمة العظماء الذين وقفوا في وجوه الحكام ، إلى الطرطوشي في سراج الملوك ، وهو يعظ حكام مصر ويتهددهم بالانتقام الإلهي ، وإلى سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام ، في قواعده . ونحن نعلم كيف قاوم الامام عز الدين بن عبد السلام سلاطين مصر ، وكاد أن يشعل الثورة عليهم ، فعل هذا حفاظا على الشعب ، وحماية لحقوقه الاقتصادية وإلى ابن الحاج في مدخله ، ونحن نعلم أن هذا الفقيه المغربي كان يعيش في مصر ، يحارب ويجاهد احتكار السلاطين وكبار التجار والأغنياء ، ويقنن ، حتى لأسعار السوق ، وإلى ابن فرحون في تبصرة الحكام ، وهو يتكلم عن آداب القاضي وعدالته ، وفساده ، وقبوله للصلات والهدايا والرشاوى . وإلى كثير غيرهم . لم يكن فساد المجتمع العربي أو الاسلامي راجعا - عند ابن الأزرق - إلى نظرية في أطوار الدول - بل إلى نظرة ورؤية حسية إلى ما انتاب هذا المجتمع من فساد مادي وانحلال اقتصادي ، وانعدام كل ثقة بين الحاكم والمحكوم . بالإضافة إلى التمزق السياسي الذي ساد البلاد الاسلامية المتعددة ، وقد رأى هذا التمزق السياسي في الأندلس ، في رقعة صغيرة من دار