محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

491

بدائع السلك في طبائع الملك

2 - الطرطوشي : سراج الملوك إذا كانت مقدمة ابن خلدون ، تمثل في نظر ابن الأزرق اتجاها ماديا ، أو بمعنى أدق اتجاها واقعيا حسيا ، فان سراج الملوك للطرطوشي ( المتوفي سنة 570 ه ) يمثل اتجاها اخلاقيا مثاليا في علم السياسة عند المسلمين . ولقد كان سراج الملوك بين يدي ابن خلدون ، بل كان من الكتب القلائل التي ذكرها ابن خلدون في مقدمته كمصدر له ، ثم نقده « وكذلك حوم أبو بكر الطرطوشي في كتاب سراج الملوك ، وبوبه على أبواب تقرب من أبواب كتابنا هذا ومسائله ، لكنه لم يصادف فيه الرمية ، ولا أصاب الشاكلة ، ولا استوفى المسائل ، ولا أوضح الأدلة ، انما يبوب الباب للمسألة ، ثم يستكثر من الأحاديث والآثار ، وينقل كلمات متفرقة لعلماء الفرس مثل بزرجمهر والموبذان وحكماء الهند ، والمأثور عن دانيال وهرمس وغيرهم من أكابر الخليقة ، ولا يكشف عن التحقيق قناعا ، ولا يرفع بالبراهين الطبيعية حجابا ، انما هو نقل وتركيب شبيه بالمواعظ ، وكأنه حوم على الغرض ، ولم يصادفه ، ولا تحقق قصده ولا استوفى مسائله » وهذا اعتراف فذ من ابن خلدون ، هذا المفكر المعجب بنفسه ، ان أبا بكر الطرطوشي من قبله ، بوب ابابه ، كما بوب هو أبوابه من بعده اي انه جمع وقمش ، ونقل اي حلل وركب ، ولكنه لم يصل إلى النتائج إلى النظريات ، كما فعل هو ، فخرج هو ابن خلدون بالنتائج ، بما نسميه الآن بالنظريات . فكان - هو في نظر نفسه ، أول من وضع نظرية في فلسفة التاريخ أو في علم العمران ، علم الاجتماع أو بمعنى أدق في علم الاجتماع السياسي . وليس هناك من ينكر على ابن خلدون عبقريته النادرة حين طبق منهج الاستقراء الأشعري - ( اي منهج القياس الأصولي ) على التاريخ والظواهر الاجتماعية والسياسية ولكن الطرطوشي لم يكن يقصد هذا . ان الطرطوشي وغيره من مفكري الأشاعرة استخدموا منطق الاستقراء في مجالات الكلام والفقه وغيرهما ، ووصلوا في الكلام وفي الفقه إلى ما وصل اليه ابن خلدون في التاريخ . ولكن الطرطوشي في كتابه سراج الملوك كان يرمي إلى غاية أخرى - خلال ما تصوره ابن خلدون