محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

486

بدائع السلك في طبائع الملك

التفريعات ، وايراد الجزئيات ، وكثرة التقسيم « والسبر » . ولكنه حين يفعل هذا انما كان يطبق منهجا علميا صارما ويتقيد به . وكل ما يهمه ان يصل إلى نتيجة واضحة المعالم وهو أشبه بعلماء الانتروبولوجيا المعاصرين ، الذين يفسرون الظاهرة الاجتماعية . بكل ما يحيط بها من عادات وتقاليد ودين ونظم وسلوك ، وبيئة جغرافية ، وتطور زماني ومكاني وتغير . ونحن نعلم إلى أي حد تتسع دائرة معلومات عالم الانتروبولوجيا المعاصرة . ونأتي إلى التساؤل الهام : هل طبق ابن الأزرق أو سلفه من قبل ابن خلدون - المنهج المادي التاريخي وهما يفسران « العوارض الذاتية » أو الظواهر الاجتماعية وهل طبقا البنيوية . ان من الواضح ان علماء المسلمين ومفكريهم - وهم المعبرون عن روح الاسلام ، كانوا واقعيين حسيين . وان تفسيرهم لظواهر هذا الكون انما كان تفسيرا واقعيا حسيا ماديا . كانت تشغلهم الحياة ، وواقع مجتمعهم ، وقد نظروا هذا الواقع فقط . وقد عبر عن هذه النظرة الامام مالك بن انس في قولته المشهورة الكلام في الدين أكرهه ، ولا أحب الكلام الا فيما تحته عمل . فكان لا بدّ اذن ان يواجه المفكر المسلم ، كل مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وان ينبع عن كل هذه المظاهر . وان يرى الصراع . صراع الطبقات . وصراع الحاكم والمحكوم . وان يرى التناقض والتضاد . واعتلجت في العالم الاسلامي أو العربي « النزوات الحيوية » والثورات الكاسحة والبعض منها كان نزوة حيوية مادية أو مثالية أو ثورة كاسحة مادية أو مثالية . وكان البعض منها من خارج البنية الاجتماعية والبعض منها من داخلها . . . كان لا بدّ وان يقوم مفسر الظواهر الاجتماعية ، وهو يفسر كل هذا خلال واقعيته الحسية ومنهجه الاستقرائي التجريبي ، بتفسيرات مادية وبنيوية . ولم ير ضيرا ابدا في تفسيراته هذه مع ايمانه بعقيدة دينية ، ايمانه بميتافيزيقا القرآن ، بجانب ايمانه بواقعية الحياة وبحسيتها وبماديتها ، وبانبثاقها عن بنية مجتمعه . وهذا ما فعله مفكرو الاسلام بعامة ، وابن خلدون وابن الأزرق بخاصة . انتهى من هذا إلى القول ، وهو ما يعنينا في هذه الدراسة ، بأن تنوع مصادر ابن الأزرق ظاهرة من أعجب الظواهر . لقد فاق ابن خلدون في هذا