محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

345

بدائع السلك في طبائع الملك

قال : واعتبر ما قررناه بحال بغداد وقرطبة والقيروان والبصرة والكوفة وأمثالها ، لما كثر عمرانها « 70 » صدر الاسلام ، واستوفت فيها الحضارة ، كيف زخرت فيها بحار العلم وتفننوا في اصطلاحات التعليم وأصناف العلوم ، حتى اربوا على المتقدمين وفاتوا المتأخرين . ولما تناقص عمرانها ، انطوى ذلك البساط جملة ، وفقد بها العلم والتعليم وانتقل إلى غيرها من أقطار الاسلام « 71 » . تعريف قال : ونحن اليوم نرى لهذا العهد : ان العلم والتعليم انما هو بالقاهرة من بلاد مصر ، لاستبحار عمرانها ، واستحكام حضارتها منذ آلاف من السنين ، فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت « 72 » ، ومن جملتها تعليم العلم . قال : واكد بذلك فيها ، ما وقع لهذه العصور بها منذ مائتين من السنين في دولة الترك من أيام صلاح الدين بن أيوب إلى هلم جرا ، وذلك لان الامراء من الترك يخشون عادية سلطانهم على من يخلفونه « 73 » من ذريتهم لما له عليهم من الرق والولاء ، ولما « 74 » يخشى من معاطب الملك ونكباته فاستكثروا من بناء المدارس والزوايا والربط ، ووقفوا عليها الأوقاف المغلة ، يجعلون فيها شركاء لولدهم ونصيبا ينظر عليها ، ويصيب « 75 » منها ، مع ما فيهم غالبا من الجنوح إلى الخير ، والتماس الأجور في المقاصد والافعال ، فكثرت الأوقاف لذلك ، وكثر طالب العلم ومعلمه ومتعلمه بكثرة جرايتهم منها ، وارتحل الناس إليها في طلب العلم من العراق والمغرب ، ونفقت فيها أسواق العلوم « 76 » ، وزخرت بحارها . والله يخلق ما يشاء « 77 » .

--> ( 70 ) س : عمرانهم . ( 71 ) اختلاف مع نص مقدمة : ج 3 ، ص 1124 - 1125 . ( 72 ) ك : وتعينت . ( 73 ) ك : يخلفوه ، م : يخلفون . م : يخلفون . ( 74 ) ك : ومما . ( 75 ) م : خطيبا فيها . ( 76 ) س : العلم . ( 77 ) اختلاف مع نص مقدمة : ج 3 ، ص 115 .