محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

290

بدائع السلك في طبائع الملك

قال : ثم انتقل أهل شرق الأندلس عند جالية النصارى إلى إفريقيا ، فأبقوا بها من الحضارة آثارا ، ومعظمها بتونس ، امتزجت بحضارة مصر ، وما ينقله المسافرون من عوائدها ، فكان بذلك للمغرب وإفريقية حظ من الحضارة صالح عفى عليه الخلاء ، ورجع إلى أعقابه ، وعاد البربر إلى أديانهم من البداوة والخشونة . قال : وعلى كل حال : فأثر الحضارة بافريقية أكثر منها بالمغرب ، ولقرب « 73 » تداول فيها من الدول السالفة أكثر من المغرب ، ولقرب عوائدهم من عوائد أهل مصر بكثرة المترددين بينهم فتفطن لهذا السر ، فإنه خفي على الناس . انتهى « 74 » . مزيد تحصيل قال : واعلم أنها أمور متناسبة وهي حال الدولة في القوة والضعف وكثرة الأمة وعظم المدينة . وذلك أن الملك صور الخلقية والعمران ، وكلها مادة له من الرعايا والأمصار وأمور الجباية عائدة عليهم ، ويسارهم غالبا من أسواقهم ومتاجرهم . وإذا أفاض السلطان عطاء في أهلها انبثت فيهم ورجع اليه ، ثم إليهم منه ، فهو ذاهب عنهم « 75 » في الجباية والخراج عائد عليهم في العطاء ، فعلى نسبة مال الدولة ، يكون يسار الرعية ، وعلى نسبة يسار الرعية يكون مال الدولة . قال : وأصله كله العمران وكثرته ، فاعتبره في الدول تجده . والله يحكم لا معقب لحكمه « 76 » . المسألة الثالثة عشرة : ان الحضارة غاية للعمران ، ومؤذنة بفساده لنهاية عمره وذلك لما تقدم أن الملك غاية للعصبية ، والحضارة غاية للبداوة . والعمران كله من حضارة وبداوة وملك وسوقة له عمر مخصوص كما لاشخاص

--> ( 73 ) م : لما . ( 74 ) مقدمة : ج 3 ، ص 1009 . ( 75 ) ساقطة من م . ( 76 ) مقدمة : ج 3 ، ص 1009 .