محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
271
بدائع السلك في طبائع الملك
الفتن لاختلال الدول ووقوع الوباء ، وسببه في الغالب فساد الهواء بكثرة العمران لكثرة ما يخالطه من العفن والرطوبات الفاسدة ، وإذا فسد الهواء ، وهو غذاء الروح الحيواني وملابسه دائما ، فيسري الفساد إلى مزاجه . فان قوى ، وقع المرض في الرئة ، وهذه هي الطواعين والأكثر العفن به وتضاعف الحميات المهلكة ، وكثرة العمران هي سبب التعفن والرطوبة الفاسدة « 337 » رعاية حكمة : قال : ولهذا تبين في الحكمة ان تخلل الخلاء والقفر بين العمران ضروري ، ليكون تموج الهواء يذهب بما يحصل في الهواء من الفساد والعفن بمخالطة الحيوانات ويأتي بالهواء الصحيح . ولهذا يكون الموتان في المدن الموفورة العمران أكثر من غيرها بكثير كمصر في المشرق وفاس بالمغرب . والله يقدر ما يشاء « 338 » . قلت : ما ذكره من أن فساد الهواء غالبا سبب الوباء - هو قول الأطباء . ونقل الشيخ شهاب الدين بن حجر ابطال الشيخ شمس الدين بن قيم الجوزية له من وجوه ستة : قال اثر تقريرها عنه : ولذلك اعيا الأطباء دواؤهم حتى يسلم حذاقهم انه لا دواء له ، ولا دافع له الا الذي خلقه ، وقدره . قال ابن حجر : واما كون بعض الأوجاع في الطاعون قد يكون من غلبة بعض الطبائع ، فلا ينافي كونه من طعن الجن ، لاحتمال ان حصول ذلك التغيير عند وجود الطعنة ، فينزعج بدن المطعون ، فيفور به الدم ، وتحصل له الكيفية الرديئة التي يشخصها الأطباء بحسب ما اقتضته قواعدهم . ولا ينافي ذلك أصل سببه الأول . والله اعلم . قلت : ما أشار اليه من طعن الجن ، هو ما صرحت به الأحاديث انه من وخز الجن . وللكلام في ذلك محل آخر . المسألة الخامسة عشرة : ان الدول لها اعمار طبيعية كما للاشخاص
--> ( 337 ) مقدمة ، ج 2 ، ص 880 ، مع اختلاف في اللفظ . ( 338 ) مقدمة : ج 2 ، ص 880 من اختلاف يسير .