محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
71
بدائع السلك في طبائع الملك
لو وجد هذا النكير في مثل هذا المقام ، لقضت العادة بنقله ، ومستند الاجماع لا يلزم نقله ، استغناء عنه ، بوجوب اتباع الاجماع ، متى تحقق وجوده . الفاتحة الخامسة : أن حقيقة هذا الوجوب الشرعي راجعة إلى النيابة عن الشارع في حفظ الدين وسياسة الدنيا به ، ويسمى باعتبار هذه النيابة خلافة وامامة ، وذلك لان الدين هو المقصود في ايجاد الخلق لا الدنيا فقط ، فحملوا على حكمه ، دنيا وأخرى ، ونصب لذلك الخليفة نائبا عن صاحب الشرع « 232 » . ولا كذلك الملك الطبيعي ، وهو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة ، لجوره في ذلك وعدوانه ، وافضائه إلى الهلاك العاجل ( سنة الله في الذين خلوا من قبل « 233 » ) ، ولا السياسي ، وهو حملهم على نهج النظر العقلي في جلب مصالح الدنيا ودرء مفاسدها فحسب ، ، لاهمال العناية بالدين ، واستضاءته فيما اقتصر عليه بغير نور اللّه ( ومن لم يجعل له نورا فماله من نور « 234 » ) . الفاتحة السادسة : ان انقلاب الخلافة إلى الملك ، كما سيرد بيانه ان شاء اللّه ، ان ذلك واقع بحسب طبيعة الوجود ، لا يخل بما قصد بهما في الجملة ، بل الحاجة إلى الملك إذ ذاك في ارفع « 235 » مراتب الاعتبار به ، وذلك لان الوازع في أيام وجود الخلافة انما كان دينيا محضا ، يجده كل واحد من نفسه ، حتى قال عمر - رضي الله عنه « من لم يؤدبه الشرع ، لا أدبه الله » . وبعد انقلابها ملكا وخصوصا إلى العضوض منه ، ضعف ذلك الوازع أو كاد يفقد غالبا فاحتيج إلى مزيد رهبة ، وهي من منازع ومراسم موضوعه .
--> ( 232 ) يستند في هذه العبارة على مقدمة ج 2 ص 687 - 688 . ( 233 ) جزء من آية 38 سورة الأحزاب رقم 33 . ( 234 ) جزء من آية 40 سورة النور رقم 24 . ( 235 ) و . ه - أوضح .