محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
532
بدائع السلك في طبائع الملك
الثاني : وأن تحب ذلك مظهرا للفرح به ، وهو الحسد المحظور . وان تحسد بقلبك من غير انكار على نفسك ولكن تحفظ جوارحك عن طاعة الحسد من مقتضاها . الثالث : وهو محل الخلاف والظاهر أنه لا يخلو عن اثم بقدر شدة ذلك الحب وضعفه « 494 » . قلت : وبه جزم الشيخ عز الدين قائلا : لان الحسد من أفعال القلوب ، وقد يتجوز به إلى آثاره ، وانما نهى عنه ، لان تمكينه في القلب يحمل على المعاملة بآثاره ، فيكون تحريمه من باب تحريم الوسائل . المسألة التاسعة : قال الشيخ عز الدين : « الحسد بالقلب ذنب بين الحاسد وبين الرب تعالى لا تقف صحة التوبة عنه على تحليل المحسود بخلاف آثاره ، فإنها أذية للمحسود فلا تصح التوبة عنهما الا بالخروج عن عهدتها ، لان الضرر ليس بمجرد الحسد ، وانما هو بتعاطى آثاره . المسألة العاشرة : من الكلمات الحكمية في هذا الخلق : الحسد جرح لا يبرأ . ويحسب الحاسد ما يلقى « 495 » الحاسد لا ينال من المجالس الا مذمة وذلا ، ولا من الملائكة الا لعنة وبغضا ، ولا من الخلق الا خزيا وغما ، ولا عند النزع الا شدة وهولا ، ولا في الموقف الا فضيحة ونكالا . لا يرتفع الحسد عن أحد ، الا لحقته رحمة الناس . والحاسد إذا رأى أداء النعمة قد فعل جميلا ، لم يرضه الا أن يكون أفضل أنواع الجميل ، وليس على فاعل الجميل أن يبلغ أقصى منازله ، وكل ما أتاه منه فهو محمود عليه . الحسود ظالم ظلوم ضعيفة يده عن انتزاع ما حسدك عليه ، فلما قصرت عنه ، بعث إليك باسفه . والغر من المتنعمين يتأذى به كما يتأذى برائحة الثوم الذي لا ينفعه منه
--> ( 494 ) احياء : ج 3 ص 200 . ( 495 ) م : ما لقى .