محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

508

بدائع السلك في طبائع الملك

فأعطوه ذلك ، اما طائعين ، واما كارهين ، فمضى الذي عقد له معي على السبيل التي مضى عليها ، فلما صار الامر اليّ ، علمت أني أحتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على الرضى بي . ثم نظرت فرأيت أني متى خليت عن المسلمين أمورهم ، اضطرب حبل الاسلام وحرج « 386 » عليهم وانتقضت أطرافهم ، وغلب على الناس الهرج والفتنة ووقع التنازع ، فبطلت أحكام الله ، ولم يحج أحد بيته الحرام ، ولم يجاهد الناس في سبيله ، ولم يكن لهم سلطان يسوسهم ويجمعهم ، وانقطعت السبل ولم يؤخذ لمظلوم من ظالم ، فقمت بهذا الامر حياطة للمسلمين ومجاهدا لعدوهم وضابطا لسبلهم وآخذا على أيديهم ، قصد أن يجتمع المسلمون على رجل تنفق كلمتهم على الرضا به ، فأسلم الامر اليه ، وأكون كرجل من المسلمين فمتى اجتمعوا على رجل من المسلمين رضوا به ، خرجت اليه عن هذا الامر فقال : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وقام ؛ فأمر المأمون علي بن صالح الحاجب أن يوجه من يتبعه حتى يعلم أين يقصد . فعمل على ذلك ، ثم رجع اليه ، فقال : يا أمير المؤمنين وجهت من اتّبع الرجل ، فمضى إلى مسجد فيه خمسة عشر رجلا في مثل هيئته وزيه . فقالوا : لقيت الرجل ؟ قال : نعم قالوا فما قاله ؟ قال : ما قال الا خيرا ، ذكر أنه ضبط أمر المسلمين ، حتى يؤمن سبلهم ، ويقوم الحج ، ويجاهد في سبيل الله ويأخذ للمظلوم من الظالم ، ولا تعطل الاحكام ، فإذا رضي المسلمون بامام ، واجتمعوا « 387 » عليه ، سلم اليه الامر ، وخرج اليه منه . فقالوا : لسنا نري بهذا الامر بأسا ، وافترقوا . قال يحيى بن أكثم « 388 » ، فأقبل عليّ المأمون ، فقال : يا أبا محمد ، كفينا مئونة هؤلاء بأيسر خطب . فقلت الحمد لله على ما ألهمك من السداد والصواب في القول والفعل « 389 » .

--> ( 386 ) مروج الذهب : ومرج عهدهم . ( 387 ) د : اجمعوا . ( 388 ) يحيى بن أكثم : أبو محمد يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن بن سمعان بن مشنج ، التميمي الأسيدي المروني ، من ولد أكثم بن صيفي - حكيم العرب - . كان من كبار أصحاب الشافعي ، وغلب على المأمون فكان أثيرا لديه . توفي سنة 242 أو 243 ه . انظر : ابن خلكان ج 6 ص 147 - 165 . طبقات الحنابلة ج 1 ص 140 . أخبار القضاة لوكيع ج 2 ص 161 . ( 389 ) استمد النص من مروج الذهب للمسعودي ج 4 ص 315 - 316 .