محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
500
بدائع السلك في طبائع الملك
أولهما : وهو أحد الحازمين الذي ينظر في الأمور قبل نزولها ، فيجتلب خيرها ويتجنب شرها ، كالماهر في الشطرنج « 359 » ، يرى الحركة الردية قبل وصولها اليه ، فيلجئ ملاعبه إلى اللعب بها . ثانيها : وهو الحازم الثاني الذي لا يدبر الأمور حتى تحل به ، وإذ ذاك يتعرف وجه التخلص منها ، وهو دون الأول وأدنى منه إلى التغرير فيما يقع فيها لغفلته وتوانه عن أمر يتعذر فيه الخلاص منه على ذوي الحيلة والاجتهاد « 360 » . ثالثها : وهو العاجز المتواني الذي لا يزال في لبس من أمره ، وعجز عن اصلاحه حتى يقوده ذلك إلى الخسران . تمثيل : قالوا : ومثال الثلاثة : أن صيادين أتيا أجمة فيها سمكات ثلاث ، فقال لصاحبه : عد بنا إلى هذه الأجمة بعد فراغنا من الصيد لنصيد ما فيه . فأما أحزم السمكات ، فخرجت من منفذ الماء إلى البحر فأمنت ، وأما التي تليها في الحزم ، فمكثت حتى جاء الصياد ، فسد المنفذ ، فأيقنت بالهلاك فاحتاجت إلى الحيلة فتماوتت وطفت فوق الماء ، فأخذها الصياد فطرحها غير بعيدة من البحر ، تجيء وتذهب ، حتى صيدت « 361 » . المسألة الخامسة : من مهمات الحزم أمور : أحدها : إساءة الظن حيث يؤدي إلى مفسدة راجحة على مصلحة فقد ورد : الحزم سوء الظن . وفي الحديث . « احترسوا من الناس بسوء الظن » ، فان رجحت مصلحة كانت هي مفسدة في النهي عن هذه الإساءة . قال تعالى : « اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ » « 362 » .
--> ( 359 ) في الشهب : فالملاعب الماهر . ( 360 ) في الشهب : « وأدني منه إلى أسباب الهلكة في بعض الأمور ، لأنه ربما وقع بغفلته وتوانه في أمر يتعذر فيه الخلاص على ذي الحيلة والاجتهاد » ص 115 . ( 361 ) الشهب : ص 116 . والسياسة للمرادي ص 98 . ( 362 ) آية 12 سورة 49 .