محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

433

بدائع السلك في طبائع الملك

وسادة ، فوضعها في وجه الأسد ، ودار عليه يجره بذنبه ، فانقطع ظهر الأسد ، وزاغت أصابع الأمين عن أماكنها ، فردوها اليه « 46 » . قال صاحب « مشارع الأشواق » : « وأعجب من هذا ، ما اتفق لكسرى أنو شروان فإنه اغتلم « 47 » فيل من فيلاته ، وعجز الرياض عن امساكه ، فهجم على كسرى ، وهو على سرير ملكه ، فلم يبق أحد ، الا ولى هاربا ، وبقي كسرى جالسا وحده ، وغلامه على رأسه ، فهم الغلام أن يهرب ، فصاح به ، فثبت فلما أتاه الفيل ودنا من السرير ، ومد زلومته لهما ، أمر الغلام أن يضربه ، فضربه ، فقطع زلومته ، فولى الدبر ، ولم يتزحزح كسرى عن مكانه . انتهى « 48 » النظر الثاني وفيه مسائل : المسألة الأولى : الجبن وهو ضد الشجاعة من حيث ميله إلى طرف التفريط ، في خلقها المتوسط بينه وبين التهور ، كما تقدم . وذمه ظاهر من تلك الجهة ، ونزيده وضوحا بأمرين . أحدهما : أنه شر خصال الرجال . فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « شر ما في الرجال شح هالع ، وجبن خالع ، ومعنى هالع مخزون ومعنى خالع أي لا ثبات له » . الثاني : استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم منه ، ففي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فكنت أسمعه يكثر أن يقول : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن والعجز والكسل والبخل والجبن وضلع الدين وغلبة الرجال ، ضلع الدين شدته وثقل حمله « 49 » . المسألة الثانية : الجبن ، يتولد من سوء الظن وعدم الصبر ، فلا يظن الظفر ، ولا يساعده الصبر ، ومنشأه من الرئة ، يزاحمها القلب في مكانه ، وضيقت عليه ، حتى أزعجته عن مستقره ، وأصابه التزلزل لازعاج الرئة له ،

--> ( 46 ) وردت القصة بتفصيل في مروج الذهب ج 4 ص 269 . ( 47 ) ب . و : أعلم ، ه : اغتنم . ( 48 ) وردت هذه الحكاية أيضا في الشهب ص 76 . ( 49 ) ابن القيم الجوزية : الروح ص 236 .