محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
431
بدائع السلك في طبائع الملك
قلت : هو معنى كلام الطرطوشي وغيره ، ولوضوحه سمى جهاد النفس ، الجهاد الأكبر ، كما ورد في الأثر ، وهو أصل ظاهر ، كما تقرر في موضعه . المسألة الثامنة : قيل : « كان أشجع الناس على الاطلاق وأقوامهم قلبا سيدنا ونبينا ومولانا محمدا صلى الله عليه وسلم ، وقد حضر المواقف الصعبة ، وفر الابطال عنه غير مرة ، وهو ثابت لا يبرم ، مقبل لا يدبر ولا يتزحزح ، وما شجاع الا وقد أحصيت له مرة غرة أو فترة سواه صلى الله عليه وسلم ، فإنه لم يفر قط ، وحاشاه من ذلك ، ثم حاشاه ، قال الله تعالى « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ » وفي الصحيحين عن انس بن مالك رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وكان أشجع الناس « 39 » الحديث « 40 » . المسألة التاسعة : من الكلمات الحكمية في هذا الوصف . الشجاع يختار حسن الذكر على البقاء ، والجبان يختار البقاء على حسن الذكر . الشجاع يحمى عمن لا يناسب ، ويقي مال الجار والرفيق بمهجته ، والجبان معين على نفسه ، يفر عن أبيه وأمه وصاحبته وبنيه « 41 » . قال الشاعر : يفر جبان القوم عن أمر نفسه * ويحمى شجاع القوم من لا يناسب
--> ( 39 ) استند على ( مشارع الأشواق ) : الباب الثالث والثلاثون ص 32 . ( 40 ) استند ابن الأزرق ، فيما سبق ، على ( مشارع الأشواق ) ، في الباب الثالث والثلاثين في مدح القوة والشجاعة وذم العجز والجبن وبيان حقيقتهما ، حيث ورد في ص 317 ما يلي : « . . . حتى لقد يشاهد الفأر مرارا يركب على الهر ، وينزل ويطلع مرات ، لا يعدو الهر على الفأر ، ولا ينفر الفأر من الهر . وكذلك الهر يتألف بالكلب مع نفوره عنه طبعا ، حتى رأيته يركب عليه وينزل ويطلع ، وكل ذلك بالتعليم والتدريج في الاقدام حتى ينعكس الطبع إلى ضده ويستحيل عن جبلة صنعه » . « فالانسان أولى بقبول التعليم وممارسة الطباع وسرعة التحول في الاخلاق من الحيوان ، لأنه بجوهره قابل للخير والشر جميعا ، وهذا أمر لا ينكره من له ذوق سليم وطبع مستقيم » . ( 41 ) الطرطوشي : ص 173 .