محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
422
بدائع السلك في طبائع الملك
التجربة وطول المباشرة بتقلب الأيام وتصرف الحوادث فقد قيل : كفى بالتجارب مؤدبا ، وبانقلاب الدهر عظة ، وقيل : التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل « 11 » . قال الشاعر : - ألم تر أن العقل زين لأهله * ولكن تمام العقل طول التجارب وقال : إذا طال عمر المرء في غير آفة * أفادت له الأيام في كرها عقلا المسألة الثانية : يتأكد الاتصال بهذا النوع من العقل على السلطان ، ما لا يتأكد على غيره . ومما يدل على ذلك أمران : أحدهما : أن انتصابه لرعاية الخلق بما يتكفل لهم بمصالح الدارين ، يتوقف على وفور حظه من هذا الاتصاف ، ولا يخفى ذلك على ذي بصيرة . الثاني : أن أنفس مطالب الرئاسة الذكر ، ولا يحصل الا بكماله . ففي سياسة أرسطو : الرئاسة لا تراد لنفسها انما تراد للذكر ، وأول منازع العقل الذكر ، والرئاسة نتيجته » « 12 » . المسألة الثالثة : القصد بهذا العقل ، معرفة خير الخيرين وشر الشرين . قال الغزالي : « وذلك في الأمور العاجلة قريب ، وانما الملتبس عواقب الأمور في الأسباب المحظورة ولا يشتغل بها الا مسدد بالتوفيق من الله تعالى . قلت هو من معنى قول أكثم بن صيفي « 13 » : « الأمور تتشابه وهي مقبلة ، ولا يعرفها الا ذوو الرأي . فإذا أدبرت يعرفها الجاهل ، كما يعرفها العاقل .
--> ( 11 ) أخذ هذه الفقرة من سراج الملوك ص 67 مع تغيير . ( 12 ) اختلاف مع نص ( سياسة ) ص 75 . ( 13 ) أكثم بن صيفي ( توفي سنة 9 ه ) أكثم بن صيفي بن رباح بن الحارث بن مجاشع بن معاوية التيمي حكيم العرب ، في الجاهلية ، أدرك الاسلام وقصد « المدينة » في مائة نفر من قومه يريدون الاسلام ، فمات في الطريق ولم ير النبي صلى الله عليه وسلم . أنظر : ( الإصابة ) ج 1 ص 113 .