محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )

359

بدائع السلك في طبائع الملك

قال الجاحظ « 744 » : « ومن حق الملك أن لا يدنو منه أحد صغير ولا كبير ، الا وهو معروف الأبوين ، غير خامل ولا مجهول ، فان احتاج إلى مشافهة خامل أو وضيع ، لنصيحة يسرها اليه أو لامر يسأله عنه ، فمن حق الملك أن لا يخلي ، والدنو « 745 » منه حتى يفتش أولا ثم يأخذ بضبعه انسان فإذا أبدى ما عنده ، وقبل ما جاء به ، فمن حقه على الملك الاحسان اليه ، والنظر في حاجته ان كانت له ، ليرغب ذو النصائح في رفعها إلى ملوكهم ، والتقرب بها إليهم « 746 » . قلت : « قيام المقتضي لهذه العادة ، مستدع لاعتبارها شرعا » . العادة الخامسة : مدحه بما يذكره بعظيم النعمة عليه ، ويستوجب به المادح منزلة الزلفى لديه . ومن مستحسن ما ورد من ذلك ، ما يروي أن أعرابيا دخل على بعض الملوك ، فقال : رأيتني فيما أتعاطى من مدحك كالمخبر عن ضوء النهار ، والقمر الزاهر الذي لا يخفى على الناظر . وأيقنت أني إلى حيث انتهى بي القول ، منسوب إلى العجز ، مقصر عن الغاية ، فيما تصرفت من الثناء عليك ، إلى الدعاء لك ، ووكلت الاخبار عنك إلى علم الناس بها . تنبيهان : من الملوك من كره المواجهة له بمدحه عند الدخول عليه ؛ فيحكى أن اعرابيا دخل على عبد الملك بن مروان فقال له : تكلم بحاجتك فقال له : يا أمير المؤمنين بهر « 747 » الدرجة وهيبة الخلافة يمنعان من ذلك . قال : فعلى رسلك ، فانا لا نحب مدح المشافهة ولا تزكية اللقاء . قال :

--> ( 744 ) الجاحظ : أبو عثمان عمر بن بحر بن محبوب الكتاني الليثي المعروف بالجاحظ ، العالم البصري المشهور وصاحب التصانيف في أكثر العلوم الاسلامية ، وتنسب اليه الفرقة المعروفة بالجاحظية من المعتزلة ، وكان تلميذ أبي إسحاق إبراهيم بن سيار البلخي المعروف بالنظّام المتكلم المشهور وتوفي سنة 255 ه بالبصرة ، وفيات الأعيان ج 3 ص 470 - 475 . تاريخ بغداد ج 12 ص 212 ، وطبقات المعتزلة ص 67 وترد أخباره في معظم كتب الأدب قديما وحديثا . ( 745 ) التاج : أن لا يخلي أحدا يدنو منه حتى . . . الخ . ( 746 ) التاج : ص 106 - 107 . ( 747 ) و . ك : بهو .