محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
279
بدائع السلك في طبائع الملك
وأيديهم التي بها يبطشون . فأمتعكم الله بما خصكم من فضل صناعتكم . ولا نزع عنكم ما أضفاه من النعمة عليكم ، وليس أحد من أهل الصناعات كلها أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة ، وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم . أيها الكتاب ، إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من صفتكم ، فان الكاتب يحتاج من نفسه ، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره ، أن يكون حليما في موضع الحلم ؛ فهما في موضع الحكم ، ومقداما في موضع الاقدام ، ومحجاما في موضع الاحجام ، مؤثرا للعفاف والعدل والانصاف ، كتوما للاسرار ، وفيا عند الشدائد ، عالما بما يأتي من النوازل . يضع الأمور مواضعها ، والطوارق أماكنها . قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمه . وان لم يحكمه ، أخذ منه بمقدار ما يكتفي به . يعرف بغريزة عقله ، وحسن أدبه وفضل تجربته ، ما يرد عليه قبل وروده ، وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره . فيعد لكل أمر عدته وعتاده ، ويهيئ لكل وجه أهبته وعتاده . فتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الأدب ، وتفقهوا في الدين ، وابدءوا بعلم كتاب الله عز وجل ، والفرائض ، ثم العربية ، فإنها ثقاف ألسنتكم ثم أجيدوا الخط ، فإنه حلية كتبكم ، وارووا الاشعار ، واعرفوا غريبها ومعانيها ، وأيام العرب والعجم وأحاديثها . فان ذلك معين لكم على ما تسموا اليه همتكم . ولا تضيعوا النظر في الحساب ، فإنه قوام كتاب الخراج . وارغبوا بأنفسكم عن المطامع ، سنيّها ودنيها ، وسفساف الأمور ومحاقرها ، فإنها مذلة للرقاب ، مفسدة للكتاب . ونزهوا صناعتكم عن الدناءة ، واربئوا بأنفسكم عن السعاية والنميمة ، وما فيه أهل الجهالات . وإياكم والكبر والسخف والعظمة ، فإنها عداوة مجتلبة من غير احنة . وتحابوا في الله عز وجل في صناعتكم ، وتواصوا عليها بالذي هو أليق بأهل الفضل والعدل والنبل من سلفكم ، وان نبا الزمان برجل منكم ، فاعطفوا عليه ، وواسوه ، حتى يرجع اليه حاله ، ويئوب اليه أمره . وان أقعد أحدكم الكبر عن مكسبه ، ولقاء اخوانه ، فزوروه وعظموه وشاوروه ، واستظهروا بفضل تجربته ، وقديم معرفته . وليكن الرجل منكم على من اصطنعه ، واستظهر به