محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
168
بدائع السلك في طبائع الملك
الوصية الثانية : قال بعضهم : إذا ابتليت بالحرب فأذك العيون بالنهار وبالغ في الحرس بالليل ، وخندق ان كنت مقيما ، وحصن مضاربك ، وليكن جندك عليك حصنا ، ولأنفسهم حرسا . واجعل الشمس أن تكون معك عند اللقاء ، والريح أن تكون معك في وقت الهجوم ؛ والماء والمرعى أن يكونا معك في مكان النزول ، وأخف آثارك عن عدوك ، واعمل في حين لقائه على إراحة الظهر والكراع ، وثقف جهات العدو بمن تثق من رجالك ، واحذر من الأفواج أن يستمر هزيمة ومن الكمين أن يأتيك غفلة ومن رجلك أن يخالف اليه ، وان استطعت أن تخالف عدوك إلى رجله ، فافعل . وإذا هزمت قوما فقف ثبتا في محلتك وإذا غلبت فعم آثارك . واعلم أن الهزيمة محل العزيمة وأن الهارب لا يعرج على صاحب ، وأن الفرار في وقته ظفر ، وأن القتال في غير مكانه عناء » . قلت : قوله « وخندق ان كنت مقيما » قال ابن خلدون : كان من مذاهب الأول في حروبهم حفر الخنادق على معسكرهم ، حذرا من معرة البيات ، والهجوم عليهم ليلا وكانت للدول في أمثال هذه قوة وعليه اقتدار لجمع الأيدي عليه في كل منزل لها بما كانوا عليه من وفور العمران وضخامة الملك فلما خرب العمران ، وتبعه ضعف الدول وقلت الجنود وعدم الفعلة ، نسي هذا الشأن جملة كأنه لم يكن والله تعالى خير القادرين « 264 » . التتمة الثانية : قال ابن خلدون : لا وثوق في الحروب بالغلب ، وان حصلت أسبابه من العدة والعديد ، لأنه فيها من قبيل البخت والاتفاق » « 265 » . قلت : وقرره بما حاصله أن أسبابه في الأكثر مجتمعة من أمور ظاهرة وهي : وفور الجيش وكمال السلاح ، وكثرة الشجعان وترتيب المصاف وصدق القتال ، ونحو ذلك . من أمور خفية من حيل البشر وخدعهم كالتخذيل بالارهاب والتشانيع ، والتقدم إلى الأماكن المرتفعة ، فيتوهم المنخفض ويتخاذل « 266 » ، وما في معنى ذلك ، أو من أمور سماوية لا قدرة للبشر عليها تلقى
--> ( 264 ) اختلاف كبير مع نص « مقدمة » ج 2 ص 829 - 830 . ( 265 ) اختلاف مع نص « مقدمة » ج 2 ص 734 . ( 266 ) « مقدمة » ج 2 ص 834 - 835 .