محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
128
بدائع السلك في طبائع الملك
ليكون الحرب سجالا ومتكررا إلى أن يقع الاستيلاء بالمطاولة ، ولا يحصل بالمناجزة غالبا . الثاني : ان طاعة الدولة المستقرة ضرورية في النفوس ، وذلك « 129 » عائق لمطالبها ، وكاسر من همم أكثر أتباعها إلى الصبر والمطالبة إلى أن يظفر بمقصوده . الثالث : ان الدولة المستقرة لما استحكم فيها من ترف ملكها ، ووفور عصائبها ، تستظهر بما ترهب به عدوها والمستجدة بمعزل فتحجم عن القتال ، وتضطر إلى المطاولة ، وربما يستحكم خلل المستقرة في العصبية والجباية ، وإذ ذاك تنتهز فرصة الاستيلاء عليها « 130 » . شواهد وقوع ، من مشهور ما يعتد لهذا الاعتبار ، وقائع مذكورة أحدها : تغلب بني العباس على الدولة الأموية بعد عشر سنين من ظهور دعوتهم بخراسان . الثانية : استيلاء بني عبيد على المغرب كله ، بعد إقامة داعيهم أبي عبد الله الشيعي « 131 » عشر سنين بأقصاه ، وسموا إلى ملك مصر ، فأقاموا نحو ثلاثين سنة في طلبها ، وبعد ذلك استولوا عليها .
--> ( 129 ) ه . و . س : زيادة ( لما تقدم ) . ( 130 ) استند في عرضه على « مقدمة » ج 2 ص 873 - 874 . ( 131 ) أبو عبد الله الشيعي ( المتوفي سنة 298 ) : الحسن بن محمد بن زكريا الملقب بأبي عبد الله الشيعي كما عرف بالصنعني ، نشأ باليمن ، وكانت أسرته شيعية « اثنا عشرية » انتقلت من اليمن إلى العراق ، مركز التشيع ، لكنه تحول إلى « الإسماعيلية » بتأثير من أبي علي داعي مصر ، ثم عاد أبو عبد الله إلى اليمن موطنه الأصلي سنة 678 حيث صحب « أبو حوشب » مدة عشرة أعوام ، فعهد اليه هذا الأخير بمهمة الدعوة إلى الإسماعيلية بالمغرب حيث قال له : ان أرض « كتامة » من بلاد المغرب قد حرثها الحلواني وأبو سفيان ( يقصد الداعيين اللذين مهدا الإسماعيلية بالمغرب ) ، وقد ماتا وليس لها غيرك ، فبادر فإنها موطأة ممهدة لك . وحين حل أبو عبد الله المغرب صار هو أيضا يمهد لظهور عبيد الله « المهدي » الذي ما أن استتب له الامر بأفريقيا ، حتى وضع -