محمد بن علي الغرناطي ( ابن الأزرق )
108
بدائع السلك في طبائع الملك
قلت : وذلك لما في الطباع البشرية من العدوان والاستعصاء عن الطاعة ومن ثم قال ابن المبارك « 20 » : ان الجماعة حبل الله فاعتصموا * بعروته الوثقى لمن دانا كم يدفع الله بالسلطان مظلمة « 21 » * في ديننا رحمة منه ودنيانا « 22 » لولا الخليفة لم تأمن لنا سبل * وكان اضعفنا نهبا لاقوانا الحكمة الخامسة : انه يندفع به ضرر ما يفوت بتقدير فقده . من حاجة الخلق لتنفيذ الاحكام « 23 » ، وإقامة الصلوات ، وجباية الخراج ، ونصب القضاة وحماية البيضة ، وسد الثغور ، وتجهيز الجيوش ، وقسم الغنائم ، وبعث السعاة والولاة ، وانصاف المظلوم والظاهر أن دفع الضرر عن النفس واجب باجماع الأنبياء والرسل ، وبصريح العقل عند القائلين بتحسينه وتقبيحه وحينئذ فنصبه واجب تحصيلا لهذه الحكمة البالغة . وهي طريقة غير واحد في تقرير هذا الوجوب اعتبارا كالامام فخر الدين والآمدي والبيضاوي في آخرين « 24 » ،
--> ( 20 ) عبد الله المبارك الخراساني ، ولد من أم خوارزمية وأب تركي من موالي بني حنظلة وأصبح عبد الله بن المبارك محدث المشرق والمغرب ، حتى دعي بأمير المؤمنين الحق وامام المسلمين ، كما كان بالإضافة إلى شهرته في علم الحديث ، مرابطا ومجاهدا ، ورغم نزعته هذه في الزهد فقد كان يتعاطى التجارة حتى في أثناء حجه ، وفسر ذلك بقوله « انما أفعل ذا لاصون به وجهي وأكرم به عرضي وأستعين به على طاعة ربي » . ولد عام 117 ه وتوفي عام 181 ه . أنظر وفيات ج 3 ص 32 - 43 . نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام د . علي سامي النشار ج 3 ص 545 - 548 . ( 21 ) ه : معضلة . ( 22 ) ه . و : لدنيانا . ( 23 ) ك : لتمييز الاحكام . ( 24 ) يشير ابن الأزرق هنا إلى آراء الرازي والآمدي والبيضاوي في الإمامة ، وقد وردت آراء الرازي في هذا الموضوع في كتاب الأربعين ومحصل أخبار المتقدمين والمتأخرين وفي معالم أصول الدين وغيرها من كتبه . أما آراء الآمدي فقد وردت في كتبه المتعددة ، وبخاصة ، غاية المرام في علم الكلام ، وأبكار الافكار . أما البيضاوي ، وهو المتكلم الأشعري الشهير فقد كتب كتابه طوالع الأنوار الذي كان له أثر بالغ في عدد كبير من مسلمي شمال أفريقيا لا يقل عن أثر الرازي نفسه .