ابن حجر العسقلاني

411

فتح الباري

كلامه في ردها دون ما يقابلها فلما ابتلي أحمد بمن يقول القرآن مخلوق كان أكثر كلامه في الرد عليهم حتى بالغ فأنكر على من يقف ولا يقول مخلوق ولا غير مخلوق وعلى من قال لفظي بالقرآن مخلوق لئلا يتدرع بذلك من يقول القرآن بلفظي مخلوق مع أن الفرق بينهما لا يخفى عليه لكنه قد يخفى على البعض وأما البخاري فابتلي بمن يقول أصوات العباد غير مخلوقة حتى بالغ بعضهم فقال والمداد والورق بعد الكتابة فكان أكثر كلامه في الرد عليهم وبالغ في الاستدلال بان أفعال العباد مخلوقة بالآيات والأحاديث وأطنب في ذلك حتى نسب إلى أنه من اللفظية مع أن قول من قال إن الذي يسمع من القارئ هو الصوت القديم لا يعرف عن السلف ولا قاله أحمد ولا أئمة أصحابه وانما سبب نسبة ذلك لأحمد قوله من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي فظنوا أنه سوى بين اللفظ والصوت ولم ينقل عن أحمد في الصوت ما نقل عنه في اللفظ بل صرح في مواضع بأن الصوت المسموع من القارئ هو صوت القارئ ويؤيده حديث زينوا القرآن بأصواتكم وسيأتي قريبا والفرق بينهما ان اللفظ يضاف إلى المتكلم به ابتداء فيقال عمن روى الحديث بلفظه هذا لفظه ولمن رواه بغير لفظه هذا معناه ولفظه كذا ولا يقال في شئ من ذلك هذا صوته فالقرآن كلام الله لفظه ومعناه ليس هو كلام غيره واما قوله تعالى انه لقول رسول كريم واختلف هل المراد جبريل أو الرسول عليهما الصلاة والسلام فالمراد به التبليغ لان جبريل مبلغ عن الله تعالى إلى رسوله والرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ للناس ولم ينقل عن أحمد قط ان فعل العبد قديم ولا صوته وانما أنكر إطلاق اللفظ وصرح البخاري بأن أصوات العباد مخلوقة وان أحمد لا يخالف ذلك فقال في كتاب خلق أفعال العباد ما يدعونه عن أحمد ليس الكثير منه بالبين ولكنهم لم يفهموا مراده ومذهبه والمعروف عن أحمد وأهل العلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق وما سواه مخلوق لكنهم كرهوا التنقيب عن الأشياء الغامضة وتجنبوا الخوض فيها والتنازع الا ما بينه الرسول عليه الصلاة والسلام ثم نقل عن بعض أهل عصره أنه قال القرآن بألفاظنا وألفاظنا بالقرآن شئ واحد فالتلاوة هي المتلو والقراءة هي المقروء قال فقيل له ان التلاوة فعل التالي فقال ظننتها مصدرين قال فقيل له أرسل إلي من كتب عنك ما قلت فاستدره فقال كيف وقد مضى انتهى ومحصل ما نقل عن أهل الكلام في هذا المسئلة خمسة أقوال الأول قول المعتزلة انه مخلوق والثاني قول الكلابية انه قديم قائم بذات الرب ليس بحروف ولا أصوات والموجود بين الناس عبارة عنه لا عينه والثالث قول السالمية انه حروف وأصوات قديمة الأعين وهو عين هذه الحروف المكتوبة والأصوات المسموعة والرابع قول الكرامية انه محدث لا مخلوق وسيأتي بسط القول فيه في الباب الذي بعده والخامس انه كلام الله غير مخلوق انه لم يزل يتكلم إذا شاء نص على ذلك أحمد في كتاب الرد على الجهمية وافترق أصحابه فرقتين منهم من قال هو لازم لذاته والحروف والأصوات مقترنة لا متعاقبة ويسمع كلامه من شاء وأكثرهم قال إنه متكلم بما شاء متى شاء وانه نادى موسى عليه السلام حين كلمه ولم يكن ناداه من قبل والذي استقر عليه قول الأشعرية ان القرآن كلام الله غير مخلوق مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور مقروء بالألسنة قال الله تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله وقال تعالى بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم وفي الحديث المتفق عليه عن ابن عمر كما تقدم في الجهاد