ابن حجر العسقلاني

407

فتح الباري

لأهل الجنة يا أهل الجنة الحديث وفيه فيقول أحل عليكم رضواني وقد تقدم شرحه في أواخر كتاب الرقاق في باب صفة الجنة والنار قال ابن بطال استشكل بعضهم هذا لأنه يوهم أن له ان يسخط على أهل الجنة وهو خلاف ظواهر القرآن كقوله خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك لهم الامن وهم مهتدون وأجاب بان إخراج العباد من العدم إلى الوجود من تفضله واحسانه وكذلك تنجيز ما وعدهم به من الجنة والنعيم من تفضله واحسانه وأما دوام ذلك فزيادة من فضله على المجازاة لو كانت لازمة ومعاذ الله أن يجب عليه شئ فلما كانت المجازاة لا تزيد في العادة على المدة ومدة الدنيا متناهية جاز ان تتناهى مدة المجازاة فتفضل عليهم بالدوام فارتفع الاشكال جملة انتهى ملخصا وقال غيره ظاهر الحديث ان الرضا أفضل من اللقاء وهو مشكل وأجيب بأنه ليس في الخبر أن الرضا أفضل من كل شئ وانما فيه ان الرضا أفضل من العطاء وعلى تقدير التسليم فاللقاء مستلزم للرضا فهو من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم كذا نقل الكرماني ويحتمل أن يقال المراد حصول أنواع الرضوان ومن جملتها اللقاء فلا اشكال قال الشيخ أبو محمد ابن أبي جمرة في هذا الحديث جواز إضافة المنزل لساكنه وان لم يكن في الأصل له فان الجنة ملك الله عز وجل وقد أضافها لساكنها بقوله يا أهل الجنة قال والحكمة في ذكر دوام رضاه بعد الاستقرار انه لو أخبر به قبل الاستقرار لكان خبرا من باب علم اليقين فأخبر به بعد الاستقرار ليكون من باب عين اليقين واليه الإشارة بقوله تعالى فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين قال ويستفاد من هذا انه لا ينبغي ان يخاطب أحد بشئ حتى يكون عنده ما يستدل به عليه ولو على بعضه وكذا ينبغي للمرء أن لا يأخذ من الأمور الا قدر ما يحمله وفيه الأدب في السؤال لقولهم وأي شئ أفضل من ذلك لأنهم لم يعلموا شيئا أفضل مما هم فيه فاستفهموا عما لا علم لهم به فيه وان الخير كله والفضل والاغتباط انما هو في رضا الله سبحانه وتعالى وكل شئ ما عداه وان اختلفت أنواعه فهو من أثره وفيه دليل على رضا كل من أهل الجنة بحاله مع اختلاف منازلهم وتنويع درجاتهم لان الكل أجابوا بلفظ واحد وهو أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك وبالله التوفيق * ثانيهما حديث أبي هريرة ان رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في رواية السرخسي يستأذن ربه في الزرع ( قوله فأحب ان أزرع فأسرع ) فيه حذف تقديره فأذن له فزرع فأسرع ( قوله فإنه لا يشبعك شئ ) كذا للأكثر بالمعجمة والموحدة من الشبع وللمستملي لا يسعك شئ بالمهملة بغير موحدة من الوسع ( قوله فقال الأعرابي يا رسول الله لا تجد هذا الا قرشيا أو أنصاريا فإنهم أصحاب زرع ) قال الداودي قوله قرشيا وهم لأنه لم يكن لأكثرهم زرع ( قلت ) وتعليله يرد على نفيه المطلق فإذا ثبت ان لبعضهم زرعا صدق قوله إن الزارع المذكور منهم واستشكل قوله لا يشبعك شئ بقوله تعالى في صفة الجنة ان لك ان لا تجوع فيها ولا تعرى وأجيب بان نفي الشبع لا يوجب الجوع لان بينهما واسطة وهي الكفاية واكل أهل الجنة للتنعم والاستلذاذ لا عن الجوع واختلف في الشبع فيها والصواب ان لا شبع فيها إذ لو كان لمنع دوام أكل المستلد والمراد بقوله لا يشبعك شئ جنس الآدمي وما طبع عليه فهو في طلب الازدياد الا من شاء الله تعالى وقد تقدم شرح الحديث في أواخر كتاب المزارعة بعون الله تعالى ( قوله باب ذكر الله بالامر وذكر العباد بالدعاء والتضرع والرسالة والبلاغ ) في رواية الكشميهني والابلاغ