ابن حجر العسقلاني
368
فتح الباري
وذكر القدم بعد الانشاء يرجح أن يكونا متغايرين وعن المهلب قال في هذه الزيادة حجة لأهل السنة في قولهم إن لله ان يعذب من لم يكلفه لعبادته في الدنيا لان كل شئ ملكه فلو عذبهم لكان غير ظالم انتهى وأهل السنة انما تمسكوا في ذلك بقوله تعالى لا يسئل عما يفعل ويفعل ما يشاء وغير ذلك وهو عندهم من جهة الجواز واما الوقوع ففيه نظر وليس في الحديث حجة للاختلاف في لفظه ولقبوله التأويل وقد قال جماعة من الأئمة ان هذا الموضع مقلوب وجزم ابن القيم بأنه غلط واحتج بأن الله تعالى أخبر بان جهنم تمتلئ من إبليس واتباعه وكذا أنكر الرواية شيخنا البلقيني واحتج بقوله ولا يظلم ربك أحدا ثم قال وحمله على أحجار تلقى في النار أقرب من حمله على ذي روح يعذب بغير ذنب انتهى ويمكن التزام ان يكونوا من ذوي الأرواح ولكن لا يعذبون كما في الخزنة ويحتمل ان يراد بالانشاء ابتداء إدخال الكفار النار وعبر عن ابتداء الادخال بالانشاء فهو إنشاء الادخال لا الانشاء بمعنى ابتداء الخلق بدليل قوله فيلقون فيها وتقول هل من مزيد وأعادها ثلاث مرات ثم قال حتى يضع فيها قدمه فحينئذ تمتلئ فالذي يملؤها حتى تقول حسبي هو القدم كما هو صريح الخبر وتأويل القدم قد تقدم والله أعلم وقد أيد ابن أبي جمرة حمله على غير ظاهره بقوله تعالى كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون إذ لو كان على ظاهره لكان أهل النار في نعيم المشاهدة كما يتنعم أهل الجنة برؤية ربهم لان مشاهدة الحق لا يكون معها عذاب وقال عياض يحتمل ان يكون معنى قوله عند ذكر الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا انه يعذب من يشاء غير ظالم له كما قال أعذب بك من أشاء ويحتمل ان يكون راجعا إلى تخاصم أهل الجنة والنار فان الذي جعل لكل منهما عدل وحكمة وباستحقاق كل منهم من غير أن يظلم أحدا وقال غيره يحتمل أن يكون ذلك على سبيل التلميح بقوله تعالى ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات انا لا نضيع أجر من أحسن عملا فعبر عن ترك تضييع الاجر بترك الظلم والمراد أنه يدخل من أحسن الجنة التي وعد المتقين برحمته وقد قال للجنة أنت رحمتي وقال إن رحمة الله قريب من المحسنين وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة والعلم عند الله تعالى وفي الحديث دلالة على اتساع الجنة والنار بحيث تسع كل من كان ومن يكون إلى يوم القيامة وتحتاج إلى زيادة وقد تقدم في آخر الرقاق ان آخر من يدخل الجنة يعطى مثل الدنيا عشرة أمثالها وقال الداودي يؤخذ من الحديث أن الأشياء توصف بغالبها لان الجنة قد يدخلها غير الضعفاء والنار قد يدخلها غير المتكبرين وفيه رد على من حمل قول النار هل من مزيد على أنه استفهام إنكار وانها لا تحتاج إلى زيادة * الحديث الثالث حديث أنس ( قوله سفع ) بفتح المهملة وسكون الفاء ثم مهملة هو أثر تغير البشرة فيبقى فيها بعض سواد ( قوله وقال همام حدثنا قتادة حدثنا أنس ) تقدم موصولا في كتاب الرقاق مع شرحه وأراد به هنا ان العنعنة التي في طريق هشام محمولة على السماع بدليل رواية همام والله أعلم ( قوله باب قول الله تعالى ان الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ) وقع لبعضهم يمسك السماوات على أصبع وهو خطأ ذكر فيه حديث ابن مسعود قال المهلب الآية تقتضي انهما ممسكتان بغير آلة والحديث يقتضي انهما ممسكتان بالإصبع والجواب ان الامساك بالإصبع محال لأنه يفتقر إلى ممسك وأجاب غيره بأن الامساك في الآية يتعلق بالدنيا وفي الحديث بيوم القيامة وقد مضى توجيه الإصبع من كلام أهل السنة مع شرحه في باب قوله لما خلقت بيدي