ابن حجر العسقلاني

356

فتح الباري

يومئذ لمحجوبون ومن حيث النظر ان كل موجود يصح ان يرى وهذا على سبيل التنزل والا فصفات الخالق لا تقاس على صفات المخلوقين وأدلة السمع طافحة بوقوع ذلك في الآخرة لأهل الايمان دون غيرهم ومنع ذلك في الدنيا الا انه اختلف في نبينا صلى الله عليه وسلم وما ذكروه من الفرق بين الدنيا والآخرة ان أبصار أهل الدنيا فانية وأبصارهم في الآخرة باقية جيد ولكن لم يمنع تخصيص ذلك بمن ثبت وقوعه له ومنع جمهور المعتزلة من الرؤية متمسكين بان من شرط المرئي ان يكون في جهة والله منزه عن الجهة واتفقوا على أنه يرى عباده فهو راء لا من جهة واختلف من أثبت الرؤية في معناها فقال قوم يحصل للرائي العلم بالله تعالى برؤية العين كما في غيره من المرئيات وهو على وفق قوله في حديث الباب كما ترون القمر الا أنه منزه عن الجهة والكيفية وذلك أمر زائد على العلم وقال بعضهم ان المراد بالرؤية العلم وعبر عنها بعضهم بأنها حصول حالة في الانسان نسبتها إلى ذاته المخصوصة نسبة الابصار إلى المرئيات وقال بعضهم رؤية المؤمن لله نوع كشف وعلم الا انه أتم وأوضح من العلم وهذا أقرب إلى الصواب من الأول وتعقب الأول بأنه حينئذ لا اختصاص لبعض دون بعض لان العلم لا يتفاوت وتعقبه ابن التين بأن الرؤية بمعنى العلم تتعدى لمفعولين تقول رأيت زيدا فقيها أي علمته فان قلت رأيت زيدا منطلقا لم يفهم منه الا رؤية البصر ويزيده تحقيقا قوله في الخبر أنكم سترون ربكم عيانا لان اقتران الرؤية بالعيان لا يحتمل أن يكون بمعنى العلم وقال ابن بطال ذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله في الآخرة ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثا وحالا في مكان وأولوا قوله ناظرة بمنتظرة وهو خطأ لأنه لا يتعدى بالى ثم ذكر نحو ما تقدم ثم قال وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه فكذلك المرئي قال وتعلقوا بقوله تعالى لا تدركه الابصار وبقوله تعالى لموسى لن تراني والجواب عن الأول أنه لا تدركه الابصار في الدنيا جمعا بين دليلي الآيتين وبأن نفي الادراك لا يستلزم نفي الرؤية لامكان رؤية الشئ من غير إحاطة بحقيقته وعن الثاني المراد لن تراني في الدنيا جمعا أيضا ولان نفي الشئ لا يقتضي احالته مع ما جاء من الأحاديث الثابتة على وفق الآية وقد تلقاها المسلمون بالقبول من لدن الصحابة والتابعين حتى حدث من أنكر الرؤية وخالف السلف وقال القرطبي اشترط النفاة في الرؤية شروطا عقلية كالبنية المخصوصة والمقابلة واتصال الأشعة وزوال الموانع كالبعد والحجب في خبط لهم وتحكم وأهل السنة لا يشترطون شيئا من ذلك سوى وجود المرئي وان الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي فيرى المرئي وتقترن بها أحوال يجوز تبدلها والعلم عند الله تعالى ثم ذكر المؤلف في باب أحد عشر حديثا * الحديث الأول حديث جرير ذكره مطولا ومختصرا من ثلاثة أوجه ( قوله خالد أو هشيم ) كذا في نسخة من رواية أبي ذر عن المستملي بالشك وفي أخرى بالواو وكذا للباقين ( قوله عن إسماعيل ) وهو ابن أبي خالد ( قوله عن قيس ) هو ابن أبي حازم ونسب في رواية مروان بن معاوية عن إسماعيل المشار إليها ( قوله عن جرير ) في رواية مروان المذكورة سمعت جرير بن عبد الله وفي رواية بيان في الباب عن قيس حدثنا جرير ( قوله كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم ) في رواية جرير عن إسماعيل في تفسير سورة ق كنا جلوسا ليلا مع رسول الله صلى الله عليه