ابن حجر العسقلاني

309

فتح الباري

تفصيله فلا يدخل في هذا ما يكشف لهم عن الأمور المغيبة عنهم وما لا يخرق لهم من العادة كالمشي على الماء وقطع المسافة البعيدة في مدة لطيفة ونحو ذلك وقال الطيبي الأقرب تخصيص الاطلاع بالظهور والخفاء فاطلاع الله الأنبياء على المغيب أمكن ويدل عليه حرف الاستعلاء في علي غيبه فيضمن يظهر معنى يطلع فلا يظهر على غيبه إظهارا تاما وكشفا جليا الا لرسول يوحى إليه مع ملك وحفظة ولذلك قال فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا وتعليله بقوله ليعلم ان قد أبلغوا رسالات ربهم واما الكرامات فهي من قبيل التلويح واللمحات وليسوا في ذلك كالأنبياء وقد جزم الأستاذ أبو إسحاق بان كرامات الأولياء لا تضاهي ما هو معجزة للأنبياء وقال أبو بكر بن فورك الأنبياء مأمورون باظهارها والولي يجب عيه اخفاؤها والنبي يدعى ذلك بما يقطع به بخلاف الولي فإنه لا يأمن الاستدراج وفي الآية رد على المنجمين وعلى كل من يدعي انه يطلع على ما سيكون من حياة أو موت أو غير ذلك لأنه مكذب للقرآن وهم أبعد شئ من الارتضاء مع سلب صفة الرسلية عنهم وقوله في أول حديث ابن عمر مفاتيح الغيب إلى أن قال لا يعلم ما تغيض الأرحام الا الله فوقع في معظم الروايات لا يعلم ما في الأرحام الا الله واختلف في معنى الزيادة والنقصان على أقوال فقيل ما ينقص من الخلقة وما يزداد فيها وقيل ما ينقص من التسعة الأشهر في الحمل وما يزداد في النفاس إلى الستين وقيل ما ينقص بظهور الحيض في الحبل بنقص الولد وما يزداد على التسعة الأشهر بقدر ما حاضت وقيل ما ينقص في الحمل بانقطاع الحيض وما يزداد بدم النفاس من بعد الوضع وقيل ما ينقص من الأولاد قبل وما يزداد من الأولاد بعد وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة نفع الله به استعار للغيب مفاتيح اقتداء بما نطق به الكتاب العزيز وعنده مفاتح الغيب وليقرب الامر على السامع لان أمور الغيب لا يحصيها الا عالمها وأقرب الأشياء إلى الاطلاع على ما غاب الأبواب والمفاتيح أيسر الأشياء لفتح الباب فإذا كان أيسر الأشياء لا يعرف موضعها فما فوقها أحرى ان لا يعرف قال والمراد بنفي العلم عن الغيب الحقيقي فان لبعض الغيوب أسبابا قد يستدل بها عليها لكن ليس ذلك حقيقيا قال فلما كان جميع ما في الوجود محصورا في علمه شبهه المصطفى بالمخازن واستعار لبابها المفتاح وهو كما قال تعالى وان من شئ الا عندنا خزائنه قال والحكمة في جعلها خمسا الإشارة إلى حصر العوالم فيها ففي قوله وما تغيض الأرحام إشارة إلى ما يزيد في النفس وينقص وخص الرحم بالذكر لكون الأكثر يعرفونها بالعادة ومع ذلك فنفى ان يعرف أحد حقيقتها فغيرها بطريق الأولى وفي قوله ولا يعلم متى يأتي المطر إشارة إلى أمور العالم العلوي وخص المطر مع أن له أسبابا قد تدل بجري العادة على وقوعه لكنه من غير تحقيق وفي قوله ولا تدري نفس بأي أرض تموت إشارة إلى أمور العالم السفلي مع أن عادة أكثر الناس ان يموت ببلده ولكن ليس ذلك حقيقة بل لو مات في بلده لا يعلم في أي بقعة يدفن منها ولو كان هناك مقبرة لاسلافه بل قبر أعده هو له وفي قوله ولا يعلم ما في غد الا الله إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث وعبر بلفظ غد لتكون حقيقته أقرب الأزمنة وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه مع إمكان الامارة والعلامة فما بعد عنه أولى وفي قوله ولا يعلم متى تقوم الساعة الا الله إشارة إلى علوم الآخرة فان يوم القيامة أولها وإذا نفى علم الأقرب انتفى علم ما بعده فجمعت الآية أنواع الغيوب وأزالت جميع الدعاوى الفاسدة