ابن حجر العسقلاني
232
فتح الباري
الحديث الآخر فليستعذ بالله ولينته أي يترك التفكر في ذلك الخاطر ويستعيذ بالله إذا لم يزل عنه التفكر والحكمة في ذلك أن العلم باستغناء الله تعالى عن كل ما يوسوسه الشيطان أمر ضروري لا يحتاج للاحتجاج والمناظرة فان وقع شئ من ذلك فهو من وسوسة الشيطان وهي غير متناهية فمهما عورض بحجة يجد مسلكا آخر من المغالطة والاسترسال فيضيع الوقت ان سلم من فتنته فلا تدبير في دفعه أقوى من الالجاء إلى الله تعالى بالاستعاذة به كما قال تعالى واما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله الآية وقال في شرح الحديث الذي فيه فليقل الله الاحد الصفات الثلاث منبهة على أن الله تعالى لا يجوز ان يكون مخلوقا أما أحد فمعناه الذي لا ثاني له ولا مثل فلو فرض مخلوقا لم يكن أحدا على الاطلاق وسيأتي مزيد لهذا في شرح حديث عائشة في أول كتاب التوحيد وقال المهلب قوله صريح الايمان يعني الانقطاع في إخراج الامر إلى ما لا نهاية له فلا بد عند ذلك من إيجاب خالق لا خالق له لان المتفكر العاقل يجد للمخلوقات كلها خالقا لاثر الصنعة فيها والحدث الجاري عليها والخالق بخلاف هذه الصفة فوجب ان يكون لكل منها خالق لا خالق له فهذا هو صريح الايمان لا البحث الذي هو من كيد الشيطان المؤدي إلى الحيرة وقال ابن بطال فان قال الموسوس فما المانع ان يخلق الخالق نفسه قيل له هذا ينقض بعضه بعضا لأنك أثبت خالقا وأوجبت وجوده ثم قلت يخلق نفسه فأوجبت عدمه والجمع بين كونه موجودا معدوما فاسد لتناقضه لان الفاعل يتقدم وجوده على وجود فعله فيستحيل كون نفسه فعلا له قال وهذا واضح في حل هذه الشبهة وهو يفضي إلى صريح الايمان انتهى ملخصا موضحا وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم فعزوه إليه أولى ولفظه انا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا ان يتكلم به قال وقد وجدتموه قالوا نعم قال ذاك صريح الايمان وأخرج بعده من حديث ابن مسعود سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة فقال تلك محض الايمان وحديث ابن عباس أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان وقال ابن التين لو جاز لمخترع الشئ ان يكون له مخترع لتسلسل فلا بد من الانتهاء إلى موجد قديم والقديم من لا يتقدمه شئ ولا يصح عدمه وهو فاعل لا مفعول وهو الله تبارك وتعالى وقال الكرماني ثبت ان معرفة الله بالدليل فرض عين أو كفاية والطريق إليها بالسؤال عنها متعين لأنها مقدمتها لكن لما عرف بالضرورة ان الخالق غير مخلوق أو بالكسب الذي يقارب الصدق كان السؤال عن ذلك تعنتا فيكون الذم يتعلق بالسؤال الذي يكون على سبيل التعنت والا فالتوصل إلى معرفة ذلك وإزالة الشبهة عنه صريح الايمان إذ لا بد من الانقطاع إلى من يكون له خالق دفعا للتسلسل وقد تقدم نحو هذا في صفة إبليس من بدء الخلق وما ذكره من ثبوت الوجوب يأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في أول كتاب التوحيد ويقال ان نحو هذه المسئلة وقعت في زمن الرشيد في قصة له مع صاحب الهند وانه كتب إليه هل يقدر الخالق ان يخلق مثله فسأل أهل العلم فبدر شاب فقال هذا السؤال محال لان المخلوق محدث والمحدث لا يكون مثل القديم فاستحال ان يقال يقدر ان يخلق مثله أو لا يقدر كما يستحيل ان يقال في القادر العالم يقدر ان يصير عاجزا جاهلا * الحديث التاسع حديث ابن مسعود في سؤال اليهود عن الروح وقد تقدم شرحه مستوفى في تفسير سورة سبحان وقوله في هذه الرواية فقام ساعة فنظر فعرفت انه يوحى إليه فتأخرت حتى صعد الوحي ظاهر في أنه أجابهم في ذلك الوقت وهو يرد على ما وقع في مغازي موسى بن عقبة وسير سليمان التيمي ان جوابه تأخر