ابن حجر العسقلاني

223

فتح الباري

الآخر وهو الامر وقال الفاكهاني النهي يكون تارة مع المانع من النقيض وهو المحرم وتارة لا معه وهو المكروه وظاهر الحديث يتناولهما واستدل به على أن المباح ليس مأمورا به لان التأكيد في الفعل انما يناسب الواجب والمندوب وكذا عكسه وأجيب بان من قال المباح مأمور به لم يرد الامر بمعنى الطلب وانما أراد بالمعنى الأعم وهو الاذن واستدل به على أن الامر لا يقتضي التكرار ولا عدمه وقيل يقتضيه وقيل يتوقف فيما زاد على مرة وحديث الباب قد يتمسك به لذلك لما في سببه ان السائل قال في الحج أكل عام فلو كان مطلقه يقتضي التكرار أو عدمه لم يحسن السؤال ولا العناية بالجواب وقد يقال انما سأل استظهارا واحتياطا وقال المازري يحتمل ان يقال إن التكرار انما احتمل من جهة ان الحج في اللغة قصد فيه تكرار فاحتمل عند السائل التكرار من جهة اللغة لا من صيغة الامر وقد تمسك به من قال بايجاب العمرة لان الامر بالحج إذا كان معناه تكرار قصد البيت بحكم اللغة والاشتقاق وقد ثبت في الاجماع ان الحج لا يجب الا مرة فيكون العود إليه مرة أخرى دالا على وجوب العمرة واستدل به على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في الاحكام لقوله ولو قلت نعم لوجبت وأجاب من منع باحتمال ان يكون أوحى إليه ذلك في الحال واستدل به على أن جميع الأشياء على الإباحة حتى يثبت المنع من قبل الشارع واستدل به على النهي عن كثرة المسائل والتعمق في ذلك قال البغوي في شرح السنة المسائل على وجهين أحدهما ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين فهو جائز بل مأمور به لقوله تعالى فاسألوا أهل الذكر الآية وعلى ذلك تتنزل أسئلة الصحابة عن الأنفال والكلالة وغيرهما ثانيهما ما كان على وجه التعنت والتكلف وهو المراد في هذا الحديث والله أعلم ويؤيده ورود الزجر في الحديث عن ذلك وذم السلف فعند أحمد من حديث معاوية ان النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات قال الأوزاعي هي شداد المسائل وقال الأوزاعي أيضا ان الله إذا أراد ان يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط فلقد رأيتهم أقل الناس علما وقال ابن وهب سمعت مالكا يقول المراء في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل وقال ابن العربي كان النهي عن السؤال في العهد النبوي خشية ان ينزل ما يشق عليهم فاما بعد فقد أمن ذلك لكن أكثر النقل عن السلف بكراهة الكلام في المسائل التي لم تقع قال وانه لمكروه إن لم يكن حراما الا للعلماء فإنهم فرعوا ومهدوا فنفع الله من بعدهم بذلك ولا سيما مع ذهاب العلماء ودروس العلم انتهى ملخصا وينبغي ان يكون محل الكراهة للعالم إذا شغله ذلك عما هو أهم منه وكان ينبغي تلخيص ما يكثر وقوعه مجردا عما يندر ولا سيما في المختصرات ليسهل تناوله والله المستعان وفي الحديث إشارة إلى الاشتغال بالأهم المحتاج إليه عاجلا عما لا يحتاج إليه في الحال فكأنه قال عليكم بفعل الأوامر واجتناب النواهي فاجعلوا اشتغالكم بها عوضا عن الاشتغال بالسؤال عما لم يقع فينبغي للمسلم ان يبحث عما جاء عن الله ورسوله ثم يجتهد في تفهم ذلك والوقوف على المراد به ثم يتشاغل بالعمل به فإن كان من العلميات يتشاغل بتصديقه واعتقاد حقيته وإن كان من العمليات بذل وسعه في القيام به فعلا وتركا فان وجد وقتا زائدا على ذلك فلا بأس بأن يصرفه في الاشتغال بتعرف حكم ما سيقع على قصد العمل به ان لو وقع فاما إن كانت الهمة مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع