ابن حجر العسقلاني
172
فتح الباري
الموثوق بديانتهم إذا عقدوا عقد الخلافة لشخص بعد التشاور والاجتهاد لم يكن لغيرهم ان يحل ذلك العقد إذ لو كان العقد لا يصح الا باجتماع الجميع قال قائل لا معنى لتخصيص هؤلاء الستة فلما لم يعترض منهم معترض بل رضوا وبايعوا دل ذلك على صحة ما قلناه انتهى ملخصا من كتاب ابن بطال ويتحصل منه جواب من ظن أنه يلزم منه ان عمر كان يرى جواز ولاية المفضول مع وجود الفاضل والذي يظهر من سيرة عمر في أمرائه الذين كان يؤمرهم في البلاد انه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط بل يضم إليه مزيد المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها فلأجل هذا استخلف معاوية والمغيرة بن شعبة وعمرو بن العاص مع وجود من هو أفضل من كل منهم في أمر الدين والعلم كأبي الدرداء في الشام وابن مسعود في الكوفة وفيه ان الشركاء في الشئ إذا وقع بينهم التنازع في أمر من الأمور يسندون أمرهم إلى واحد ليختار لهم بعد أن يخرج نفسه من ذلك الامر وفيه ان من أسند إليه ذلك يبذل وسعه في الاختيار ويهجر أهله وليله اهتماما بما هو فيه حتى يكمله وقال ابن المنير في الحديث دليل على أن الوكيل المفوض له أن يوكل وان لم ينص على ذلك لان الخمسة أسندوا الامر لعبد الرحمن وأفردوه به فاستقل مع أن عمر لم ينص لهم على الانفراد قال وفيه تقوية لقول الشافعي في المسئلة الفلانية قولان أي انحصر الحق عندي فيهما وانا في مهلة النظر في التعيين وفيه ان احداث قول زائد على ما أجمع عليه لا يجوز وهو كاحداث سابع في أهل الشورى قال وفي تأخير عبد الرحمن مؤامرة عثمان عن مؤامرة على سياسة حسنة منتزعة من تأخير يوسف تفتيش رحل أخيه في قصة الصاع ابعادا للتهمة وتغطية للحدس لأنه رأى أن لا ينكشف اختياره لعثمان قبل وقوع البيعة ( قوله باب من بايع مرتين ) أي في حالة واحدة ( قوله عن سلمة ) تقدم في باب البيعة في الحرب من كتاب الجهاد من رواية المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بأتم من هذا السياق وفيه بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ثم عدلت إلى ظل شجرة فلما خف الناس قال يا ابن الأكوع ألا تبايع ( قوله قد بايعت في الأول قال وفي الثاني ) والمراد بذلك الوقت وفي رواية الكشميهني في الأولى بالتأنيث قال وفي الثانية والمراد الساعة أو الطائفة ووقع في رواية مكي فقلت قد بايعت يا رسول الله قال وأيضا فبايعته الثانية وزاد فقلت له يا أبا مسلم على أي شئ كنتم تبايعون يومئذ قال على الموت وقد تقدم البحث في ذلك هناك وقال المهلب فيما ذكره ابن بطال أراد أن يؤكد بيعة سلمة لعلمه بشجاعته وعنائه في الاسلام وشهرته بالثبات فلذلك امره بتكرير المبايعة ليكون له في ذلك فضيلة ( قلت ) ويحتمل ان يكون سلمة لما بادر إلى المبايعة ثم قعد قريبا واستمر الناس يبايعون إلى أن خفوا أراد صلى الله عليه وسلم منه ان يبايع لتتوالى المبايعة معه ولا يقع فيها تخلل لان العادة في مبدأ كل أمر أن يكثر من يباشره فيتوالى فإذا تناهى قد يقع بين من يجئ آخرا تخلل ولا يلزم من ذلك اختصاص سلمة بما ذكر والواقع ان الذي أشار إليه ابن بطال من حال سلمة في الشجاعة وغيرها لم يكن ظهر بعد لأنه انما وقع منه بعد ذلك في غزوة ذي قرد حيث استعاد السرح الذي كان المشركون أغاروا عليه فاستلب ثيابهم وكان آخر أمره أن أسهم له النبي صلى الله عليه وسلم سهم الفارس والراجل فالأولى أن يقال تفرس فيه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فبايعه مرتين وأشار بذلك إلى أنه سيقوم في الحرب مقام رجلين فكان كذلك وقال ابن المنير يستفاد من هذا الحديث ان إعادة لفظ العقد في النكاح وغيره