ابن حجر العسقلاني

136

فتح الباري

وكان مستنده ان له حقا في بيت المال فلا يضره على أي كيفية وصل إليه أو كان يرى أن التبعة في ذلك على الآخذ الأول أو ان للمعطي المذكور مالا آخر في الجملة وحقا ما في المال المذكور فلما لم يتميز وأعطاه له عن طيب نفس دخل في عموم قوله ما أتاك من هذا المال من غير سؤال ولا استشراف فخذه فرأى أنه لا يستثنى من ذلك الا ما علمه حراما محضا قال الطبري في حديث عمر الدليل الواضح على أن لمن شغل بشئ من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذلك كالولاة والقضاة وجباة الفئ وعمال الصدقة وشبههم لاعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر العمالة على عمله وذكر ابن المنذر ان زيد بن ثابت كان يأخذ الاجر على القضاء واحتج أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة وجعل لهم منها حقا لقيامهم وسعيهم فيها وحكى الطبري عن العلماء هل الامر في قوله في هذا الحديث خذه وتموله للوجوب أو للندب ثالثها إن كانت العطية من السلطان فهي حرام أو مكروهة أو مباحة وإن كانت من غيره فمستحبة قال النووي والصحيح انه ان غلب الحرام حرمت وكذا إن كان مع عدم الاستحقاق وان لم يغلب الحرام وكان الآخذ مستحقا فيباح وقيل يندب في عطية السلطان دون غيره والله أعلم وقال ابن المنذر وحديث ابن السعدي حجة في جواز أرزاق القضاة من وجوهها وقال ابن بطال في الحديث ان أخذ ما جاء من المال عن غير سؤال أفضل من تركه لأنه يقع في إضاعة المال وقد ثبت النهي عن ذلك وتعقبه ابن المنير بأنه ليس من الإضاعة في شئ لان الإضاعة التبذير بغير وجه صحيح واما الترك توفيرا على المعطي تنزيها عن الدنيا وتحرجا ان لا يكون قائما بالوظيفة على وجهها فليس من الإضاعة ثم قال والوجه في تعليل الأفضلية ان الآخذ أعون في العمل وألزم للنصيحة من التارك لأنه ان لم يأخذ كان عند نفسه متطوعا بالعمل فقد لا يجد جد من اخذ ركونا إلى أنه غير ملتزم بخلاف الذي يأخذ فإنه يكون مستشعرا بأن العمل واجب عليه فيجد جده فيها وقال ابن التين وفي هذا الحديث كراهة أخذ الرزق على القضاء مع الاستغناء وان المال طيبا كذا قال قال وفيه جواز الصدقة بما لم يقبض إذا كان للمتصدق واجبا ولكن قوله خذه فتموله وتصدق به يدل على أن التصدق به انما يكون بعد القبض لان المال إذا ملكه الانسان وتصدق به طيبة به نفسه كان أفضل من تصدقه به قبل قبضه لان الذي يحصل بيده هو أحرص عليه مما لم يدخل في يده فان استوت عند أحد الحالان فمرتبته أعلى ولذلك امره بأخذه وبين له جواز تموله ان أحب أو التصدق به قال وذهب بعض الصوفية إلى أن المال إذا جاء بغير سؤال فلم يقبله فان الراد له يعاقب بحرمان العطاء وقال القرطبي في المفهم فيه ذم التطلع إلى ما في أيدي الأغنياء والتشوف إلى فضوله واخذه منهم وهي حالة مذمومة تدل على شدة الرغبة في الدنيا والركون إلى التوسع فيها فنهى الشارع عن الاخذ على هذه الصورة المذمومة قمعا للنفس ومخالفة لها في هواها انتهى وتقدمت سائر مباحثه وفوائده في الباب المذكور من كتاب الزكاة ولله الحمد * ( قوله باب من قضى ولاعن في المسجد ) الظرف يتعلق بالامرين فهو من تنازع الفعلين ويحتمل ان يتعلق بقضى لدخول لاعن فيه فإنه من عطف الخاص على العام ومعنى قوله ولاعن حكم بايقاع التلاعن بين الزوجين فهو مجاز ولا يشترط ان يباشر تلقينهما ذلك بنفسه ( قوله ولاعن عمر عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم ) هذا أبلغ في التمسك به على جواز اللعان في المسجد وانما خص عمر المنبر لأنه كان