ابن حجر العسقلاني

111

فتح الباري

ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لاحد كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز وأن من اطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الامام كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة لو سترته بثوبك لكان خيرا لك وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال أحب لمن أصاب ذنبا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر وقال ابن العربي هذا كله في غير المجاهر فاما إذا كان متظاهرا بالفاحشة مجاهرا فاني أحب مكاشفته والتبريح به لينزجر هو وغيره وقد استشكل استحباب الستر مع ما وقع من الثناء على ماعز والغامدية وأجاب شيخنا في شرح الترمذي بأن الغامدية كان ظهر بها الحبل مع كونها غير ذات زوج فتعذر الاستتار للاطلاع على ما يشعر بالفاحشة ومن ثم قيد بعضهم ترجيح الاستتار حيث لا يكون هنا كما يشعر بضده وان وجد فالرفع إلى الامام ليقيم عليه الحد أفضل انتهى والذي يظهر أن الستر مستحب والرفع لقصد المبالغة في التطهير أحب والعلم عند الله تعالى وفيه التثبت في إزهاق نفس المسلم والمبالغة في صيانته لما وقع في هذه القصة من ترديده والايماء إليه بالرجوع والإشارة إلى قبول دعواه إن ادعى إكراها وأخطأ في معنى الزنا أو مباشرة دون الفرج مثلا أو غير ذلك وفيه مشروعية الاقرار بفعل الفاحشة عند الامام وفي المسجد والتصريح فيه بما يستحي من التلفظ به من أنواع الرفث في القول من أجل الحاجة الملجئة لذلك وفيه نداء الكبير بالصوت العالي وإعراض الامام عن من أقر بأمر محتمل لإقامة الحد لاحتمال أن يفسره بما لا يوجب حدا أو يرجع واستفساره عن شروط ذلك ليرتب عليه مقتضاه وأن إقرار المجنون لاغ والتعريض للمقر بأن يرجع وأنه إذا رجع قبل قال ابن العربي وجاء عن مالك رواية أنه لا أثر لرجوعه وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع وفيه أنه يستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها ولا يخبر بها أحدا ويستتر بستر الله وان اتفق أنه يخبر أحدا فيستحب أن يأمره بالتوبة وستر ذلك عن الناس كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر وقد أخرج قصته معهما في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب مرسلة ووصله أبو داود وغيره من رواية يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه وفي القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهزال لو سترته بثوبك لكان خيرا لك وفي الموطأ عن يحيى ابن سعيد ذكرت هذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نعيم فقال هزال جدي جدي وهذا الحديث حق قال الباجي المعنى خيرا لك مما أمرته به من إظهار أمره وكان ستره بأن يأمره بالتوبة والكتمان كما أمره أبو بكر وعمر وذكر الثوب مبالغة أي لو لم تجد السبيل إلى ستره الا بردائك ممن علم أمره كان أفضل مما أشرت به عليه من الاظهار واستدل به على اشتراط تكرير الاقرار بالزنا أربعا لظاهر قوله فلما شهد على نفسه أربع شهادات فان فيه إشعارا بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحد عليه وإلا لأمر برجمه في أول مرة ولان في حديث ابن عباس قال لماعز قد شهدت على نفسك أربع شهادات اذهبوا به فارجموه وقد تقدم ما يؤيده ويؤيد القياس على عدد شهود الزنا دون غيره من الحدود وهو قول الكوفيين والراجح عند الحنابلة وزاد ابن أبي ليلى فاشترط أن تتعدد مجالس الاقرار وهي رواية عن الحنفية وتمسكوا بصورة الواقعة لكن الروايات فيها اختلفت والذي يظهر أن المجالس تعددت لكن لا بعدد الاقرار فأكثر ما نقل في ذلك أنه أقر مرتين ثم عاد من الغد فأقر مرتين كما تقدم بيانه من عند مسلم وتأول الجمهور بأن ذلك وقع في قصة ماعز