حميد بن زنجوية
167
كتاب الأموال
( 233 ) قال أبو عبيد : فقد توالت الأخبار في افتتاح الأرضين عنوة بهذين الحكمين ، أما الأول منهما ، فحكم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم في خيبر . وذلك أنّه جعلها غنيمة فخمّسها وقسمها . وبهذا الرأي أشار بلال على عمر في بلاد الشام . وأشار به الزبير بن العوام على عمرو بن العاص في أرض مصر . وبهذا كان يأخذ مالك بن أنس . كذلك يروى عنه . وأما الحكم الآخر ، فحكم عمر في السواد وغيره ، وذلك أنه جعله فيئا موقوفا على المسلمين ما تناسلوا . لم يخمسه ولم يقسمه ، وهو الذي أشار عليه علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل . وبهذا كان يأخذ سفيان بن سعيد ، وهو معروف من قوله ، إلا أنّه كان يقول : الخيار في أرض العنوة إلى الإمام ، إن شاء جعلها غنيمة فخمّس وقسم ، وإن شاء جعلها فيئا عاما للمسلمين ، ولم يخمس ولم يقسم . قال أبو عبيد : وكلا الحكمين فيه قدوة ومتبع من الغنيمة والفيء ، إلا ن الذي أختار من ذلك ، أن يكون النظر فيه إلى الإمام . وليس فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم رادّا لفعل عمر . ولكنه صلى اللّه عليه وسلم اتّبع آية من كتاب الله فعمل بها . واتّبع عمر آية أخرى فعمل بها . وهما آيتان محكمتان فيما ينال المسلمون من أموال المشركين ، فيصير غنيمة أو فيئا . قال الله - تبارك وتعالى - : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ « 1 » فهذه آية الغنيمة ، وهي لأهلها دون الناس ، وبها عمل النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقال الله - تعالى - : ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ . . . « 2 » إلى قوله : لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ . وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ . وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ . فهذه آية الفيء . وبها عمل عمر ، وإياها تأوّل حين ذكر الأموال وأصنافها . قال : فاستوعبت هذه الآية الناس ، وإلى هذه الآية ذهب عليّ ومعاذ حين أشارا على عمر بما أشارا « 3 » - فيما نرى - والله أعلم .
--> ( 1 ) سورة الأنفال : 41 . ( 2 ) سورة الحشر : 7 - 10 . ( 3 ) في الأصل بعد ( أشارا ) ( وعلي وعمر فيما نرى ) . وحذفت ( علي وعمر ) تبعا لأبي عبيد .